الصفحة 35 من 78

الخلاف المتقرر في الأصول في تعلق الواجب بأول الوقت، أو بآخره، أو بجميعه، وقد تقرر في الأصول أيضا أنّ التكليف بالفعل قبل حدوثه جائز، حتى قال الآمدي إنه إجماع، وتقرر أيضا أنّ حصول الشرط الشرعي ليس شرطا في التكليف، بل يصح التكليف بالمشروط حال عدم الشرط عند الجمهور / والسيد رحمه الله قد ذكر هذه المباحث في كتبه الأصولية، ورجح بعضها على 12 أ أنه لا ملازمة بين عدم العلم بالتكليف، والمكلف به، وسقوط القضاء، كما زعمه، قال المحلي [1] في شرح جمع الجوامع، عند قول مؤلفه: الصواب امتناع تكليف الغافل والمُلجأ ما لفظه: لأنّ مقتضى التكليف بالشيء الإتيان به امتثالا، وذلك يتوقف على العلم بالتكليف به، والغافل لا يعلم ذلك، فيمتنع تكليفه، وإنْ وجب عليه بعد يقظته ضمان ما أتلفه من المال، وقضاء ما فاته من الصلاة في زمان غفلته بوجود سببها، انتهى.

فما هذه القعاقع التي يقلّ نفاقها بسوق النُّظار، والتهويلات التي ليس تحتاج من الفائدة إلاّ التطويل والإكثار، ثم اعلم أنّ كلمة أهل الأصول متفقة على أنه لا فرق في وجوب القضاء بين الترك لِما سبق له وجوب عمدا أو سهوا، أو لمانع، قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى ما لفظه: والقضاء ما فُعِل قبل وقت الأولى استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا أخّره عمدا أو سهوا، تمكن من فعله كالمسافر، أو لم يتمكن لمانع من الوجوب شرعا كالحائض، أو عقلا كالنائم، وقيل لما سبق وجوبه على المستدرك، ففعل الحائض قضاء على الأول لا الثاني، انتهى.

وهكذا في جمع الجوامع وشروحه، وغاية السول وشرحها [2] ، والسيد أيضا قد صرح بمثل هذا في كتابه في الأصول الذي سماه عصام المتورعين عن مزالق المتسرعين، فمن قال بأنّ وجوب القضاء يكفي فيه دليل وجوب الأداء فواضح، ومَن قال: لا وجوب له إلاّ بدليل جديد فالواجب متوقف على إقامته، والسيد من القائلين بالأول، قال في عصام المتورعين: مسألة وجوب القضاء بالأمر الأول، والثاني تجديد له، ثم ساق الأدلة، ورجح وجوبه بالأمر الأول، فاليوم الأول والثاني من أيام رمضان، وكل من أيام رمضان صومه مطلوب للشارع، أما الأولى فضرورية، وأمَّا الثانية فبالقرآن والسنة، والإجماع.

قال: وقد يتوهم القاصرون عن معرفة الفرق بين السبب والشرط والمانع أنّ اليوم الثلاثين مقيس على الصلاة المتروكة لنوم أو نسيان، أو رخصة، ولا يشعرون أنّ المذكورات موانع من الفعل فقط بعد حصول شرط الوجوب، وهو العلم بالواجب قبل حصول المانع، والحكم

(1) المحلي هو الجلال شمس الدين محمد بن أحمد، وكتاب جمع الجوامع للإمام تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي.

(2) كتاب غاية السول إلى علم الأصول، وشرحه لابن المبرد الحنبلي: يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي ت. 909 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت