رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه تسعة وعشرين يوما كان أكثر من صومهم ثلاثين يوما، وأنه آلى من نسائه شهرا، فما اعتزلهن إلاّ تسعة وعشرين يوما، ثم دخل عليهن، فقيل له إنه لم يمض من الشهر إلاّ تسعة وعشرين يوما، فقال: [1] الشَّهْرُ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
أقول: الأمر الذي السيد رحمه الله بصدد إنكاره، والتحذير منه هو عمل أهل جهة برؤية أهل جهة أخرى، والبعث بالكتابة والعمل بها، ثم عقب ذلك بالاستدلال على كونه بدعة، فجاء بدليل لا ملازمة بينه وبين ذلك الأمر بوجه من الوجوه، فإنّ كل عاقل لا يشك أنه لا يلزم من قبول أهل جهة لشهادة أهل جهة أخرى، أو كتابتهم أنْ يكون الصيام ثلاثين يوما، أو تسعة وعشرين، وقضاء يوم من غير بدّ، فما هذا الدليل الذي ليس لعالم عليه تعويل، فالذي ينبغي أنْ يجعل هذا بدعة مستقلة على فرض صدوره من المعاصرين للسيد رحمه الله، وأمَّا الاستدلال به على أنّ قبول تلك الشهادة والكتابة بدعة، فتهافت لا يرضاه منصف.
ثم اعلم أنّ الدليل الذي ذكره من أكثرية صومه صلى الله عليه وآله وسلم تسعة وعشرين، وما ذكره في قصة الإيلاء، إنما ينتهض على تبديع مَن قضى يوما بعد صيام تسعة وعشرين، إذا فعل ذلك بعد تيقّن أنّ الشهر الذي صامه تسعة وعشرون يوما، وأمَّا مع عدم التيقن فلا انتهاض؛ لأنّ سقوط الطلب لا يحصل بما ذكره السيد فيما سيأتي، بل بصوم الثلاثين على ما سنبينه قريبا، وقد اشتهر الخلاف بين أئمة الأصول والفروع هل دليل وجوب الأصل كافٍ في وجوب القضاء، أو لا يجب إلاّ بدليل جديد؟ والمسألة ظنّية اجتهادية، لا نكير فيها، ولا تبديع.
قال: وإذا ثبت أنّ الشهر تسعة وعشرين يوما، وجب أن يسقط الطلب بحصول صومها، كما حصل بر يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحصول اعتزاله فيها، حتى يتجدد ما يوجب صوم / يوم الثلاثين، وليس إلاّ أن يغم هلال شوال. ... 10 أ
أقول: أخرج أبو داود، والنسائي من حديث حذيفة قال: لاَ تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. وهذا صريح في أنّ الطلب متعلق بصوم ثلاثين إلاّ أنْ يتجدد ما يسقط يوما منها، وهو رؤية الهلال، لأنه صلى الله عليه وأله وسلم جعل لوجوب الصوم والإفطار غايتين، هما رؤية الهلال، أو إكمال العدة،
(1) جاء في مسند أحمد 44/ 281 / م:
حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرْتُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا عَلَيْهِمْ أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ حَلَفْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ شَهْرًا فَقَالَ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا