فإن لم تحصل الأولى وجب الاستمرار إلى حصول الثانية، والسيد رحمه الله قد جعل الطلب متعلقا بصوم تسعة وعشرين إلاّ أن يتجدد ما يوجب صوم يوم الثلاثين، وهو خلاف كلام الشارع؛ لأنه في قوة صوموا تسعة وعشرين يوما إلاّ أنْ يغم الهلال، وكلام الشارع في قوة صوموا تسعة وعشرين يوما إلاّ أنْ تروا الهلال قبلها، فالشارع قد جعل صوم يوم الثلاثين واجبا إلاّ أنْ يعرض مسقط، والسيد جعله ساقطا إلاّ أن يعرض موجب، وبين الكلامين فرق من هذه الحيثية، وسنبين لك الفرق بين الكلامين في صورة هي أنّ مَن صام رمضان عن تيقّن أوَّله، أو تظنن انكشف موافقا لأوله، ثم مضت تسعة وعشرون يوما، ولم يتفق له رؤية الهلال ليلة الثلاثين، لا لأنه غمّ عليه بساتر من سحاب أو غيم أو غيرهما، كما تقرر في كتب اللغة [1] ، وشروح الحديث من تفسير الغم بذلك، بل لعدم إمكان رؤيته في الصحو مع الطلب، فالسيد يقول: لا يجب عليه صوم يوم الثلاثين كما عرفت من كلامه، اللهم إلاّ أنْ يجعل غمّ الهلال شاملا لعدم إمكان رؤيته مع الصحو، ولكنه خلاف ما في كتب اللغة، وشروح الحديث، والشارع يقول بوجوبه، لقوله: ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلاَلَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ. واختر لنفسك ما يحلو، وعلى الجملة إنَّا متعبدون بالصوم لرؤية الهلال، والإفطار لرؤيته، ورؤية الهلال قد تكون لكمال الثلاثين، وقد تكون لتسعة وعشرين، فإن لم تحصل الرؤية فنحن متعبدون بالعدد، وهو ثلاثون يوما بالإجماع، كما في حديث ابن عمر عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والموطأ، والنسائي بلفظ إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر رمضان فقال: لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ، وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ.
وفي رواية للبخاري: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ.
ومن حديث أبي هريرة عند مسلم والنسائي: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا.
ولا يقال إنّ ترتيب صوم الثلاثين على غمّ الهلال دليل لقول السيد: وليس إلاّ أن يغم الهلال؛ لأنَّا نقول: الشارع جعل الواجب الصوم، والإفطار للرؤية، وقد عرفت أنها تكون لثلاثين،
(1) جاء في لسان العرب (غمم) : غُمَّ الهِلال على الناس غَمًّا: سَترَه الغَيمُ وغيره فلم يُرَ. وليلةُ غَمَّاءَ: آخر ليلة من الشهر، سميت بذلك لأنه غُمَّ عليهم أمرُها أي سُتِرَ فلم يُدْرَ أَمِن المقبل هي أم من الماضي، وهي ليلةُ الغُمَّى. وصُمْنا للغُمَّى وللغَمَّى، بالفتح والضم، إذ غُمَّ عليهم الهلال في الليلة التي يرون أن فيها استهلاله. وصُمْنا للغَمَّاء، بالفتح والمد. وصُمْنا للغُمِّيَّة وللغُمَّة كل ذلك إذا صاموا على غير رؤية. وفي الحديث: أنه قال صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأَكملوا العدة؛ قال شمر: يقال غُمَّ علينا الهلال غَمًّا فهو مَغْموم إذا حال دون رؤية الهلال غَيْمٌ رَقِيق، من غَمَمْت الشيء إذا غَطَّيته، وفي غُمَّ ضمير الهلال، قال: ويجوز أن يكون غُمَّ مسندًا إلى الظرف أي فإن كنتم مَغْمومًا عليكم فأَكملوا، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. وفي حديث وائل ابن حجر: ولا غُمَّةَ في فرائض الله أي لا تُسْتَرُ ولا تُخفَى فرائضه، وإنما تُظْهَر وتُعْلن ويُجْهَر بها.
وجاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري 16/ 268 /م:
قوله فإن غم عليكم أي فإن ستر الهلال عليكم ومنه الغم لأنه يستر القلب والرجل الأغم المستور الجبهة بالشعر وسمي السحاب غيما لأنه يستر السماء ويقال غم الهلال إذا استتر ولم ير لاستتاره بغيم ونحوه وغممت الشيء أي غطيته.