المكلّف لذلك من تكليف ما لا يُطاق، وأنه تعسير منافٍ للشريعة السمحة، ولكن أين هذا من محل النزاع؟ وربما أمكن أن يُقال: إنّ قبول أهل هذه الجهة لخبر أهل جهة أخرى في الصوم والإفطار أدخل في التيسير من عدم القبول، وغاية الأمر الاستواء، لأنّ قبول خبر المخبر بأنّ أول الشهر يوم الجمعة مثلا، وإنْ لم يكن فيه تخفيف من جهة وجوب صوم ذلك اليوم، لكنه يستلزم التخفيف من جهة أخرى، وهي عدم وجوب صوم يوم بعد إكمال العدة من يوم الجمعة، وعدم القبول، وإنْ كان فيه تخفيف من جهة عدم وجوب صوم يوم الجمعة، لكنه لا يخفف فيه من جهة أخرى، وهي وجوب البقاء على الأصل، أعني صوم ثلاثين يوما، على فرض عدم الرؤية، كما سيجيء تحقيقه.
قال: / وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل صار على القياس لا الإلزام 9 ب أن يكون فعلهم حدثا في الدين.
أقول: قد عرفت مما سلف أنّ هذه الدعوى على غير أساس، والاحتجاج لها بما لا يرتضيه الأكياس من الناس، واللزوم الذي ذكر لا يتم إلاّ بعد .... [1] قصر الشريعة على أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم دون أقواله، ودون تقريراته، ودون [2] وهذا قول لم يسبق إليه ولا حام طائر أحد من العلماء عليه [3] الناس بمجرد الأوهام الفاسدة، ورميهم بمخالفة الشارع بهذه التخيلات الباردة، مما يأباه العقل والشرع والإنصاف.
قال: وقد قال صلى الله عليه وأله وسلم: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ. أي مردود، فكيف يُقبل شيء ردّه رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم.
أقول: لا شكّ في دلالة هذا الحديث على ردٌ الابتداع، ولا نزاع في صحة الاحتجاج به على قبح الاختراع، ولكنَّا نقول بعدم انطباقه على محل النزاع، وبيان أنّ الثابت بالقرآن شرع، وكل شرع من أمره، فالثابت بالقرآن من أمره، والثابت بقوله وتقريره شرع، وكل شرع من أمره، فالثابت بقوله وتقريره من أمره، ولا يتم الاستدلال بالحديث على رد المتنازع فيه، إلاّ بعد إقامة الدليل على تخصيص الأمر المذكور في الحديث بالثابت بفعله فقط، ودون إقامة مفاوز وعِقاب، تنقطع دونها أعناق مطايا الطلاّب.
وهبكَ تقولُ هذا الصبحُ ليلٌ أيعمَى المُبصرون عن الضياءِ [4]
قال: ودليل كونه بدعة أنَّا لا نعلم بصوم المسلمين تسعة وعشرين يوما فقط، ثم لا يقضون يوما، وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث ابن مسعود وغيره أنّ صيام
(1) كلمة مطموسة.
(2) كلمات مطموسة.
(3) كلمات مطموسة.
(4) البيت من الوافر، وهو لأبي الطيب المتنبي، وروايته في ديوانه / الموسوعة الشعرية:
وَهَبني قُلتُ هَذا الصُبحُ لَيلٌ ... أَيَعمى العالَمونَ عَنِ الضِياءِ