وهكذا ذكر هذا ابن الأثير في غريب جامع الأصول، وارتضاه، وكذلك غيره من شراح الحديث، فإذا كان معنى الحديث وضع الخطأ، وعدم التعبد بحقيقة الأمر، كما اعترف به السيد / فأي دلالة فيه على محل النزاع، وكيف يصح إلحاق من أخبره جمع من أهل 9 أ قطر غير قطره بأنّ أوّل شهر شوال مثلا يوم الجمعة قبل مجيء .... [1] لمَن صام يوم الجمعة معتقدا أنه من شهر رمضان، ثم لم يتبين أنه شوال إلاّ بعد الفراغ من صومه، فإنّ بين الصورتين بونا بعيدا، وهذا تخمين ما قال بعضهم في بيان معنى الحديث أنّ الناس يتحزبون أحزابا، ويخالفون الهدي النبوي .... [2] بالحساب، وعليه أمة من الناس، وطائفة هم الباطنية، وهم أمّة من الناس صاروا يتعاطون الصوم والوقوف، وصار ذلك شعارا لهم، وبقي على الهدي النبوي من أراد الله بهم الخير، فهم الناس المرادون في الحديث، وهم الطائفة الذين لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خالفهم، وهم السواد الأعظم، ولو كان فردا، وهم الذين يهدون بالحق، وبه يعدلون، وهم الجماعة الذين يد الله معهم، مَن شذّ عنهم شذّ في النار، فهؤلاء هم الذين الفطر عند الله يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحّون؛ لعلمهم بما عيّنه الله لهم ورسوله من المواقيت والعلامات.
ثم نقول بعد تسليم صحة الاستدلال به: إنْ كان المخاطب بهذا الخطاب جميع الأمة، أو مَن يصلح له في عصره صلى الله عليه وأله وسلم، لم يكن فيه دلالة على مراد السيد بوجه من الوجوه، وإنْ كان خاصا بأهل المدينة استلزم اختصاص هذا الحكم بهم، وهو مع كونه خلاف الإجماع، لا يدل على مطلوبه، وإن كان المراد به أهل كل جهة على جهة الانفراد حتى كأنه في قوة مخاطبة أهل هذا البلد على سبيل الاستقلال، وأهل هذه البلد كذلك، فهذا وإنْ دلّ على مراده، لكنه مما لا يساعده عليه أحد، والتأييد له بقوله: لأنّ الإجماع العادي .. إلى آخره، ممنوع، والسّند أجماع أهل الجهات الكثيرة المتباينة، بل الأقطار والأقاليم على ما لا يُحصى من الأمور، كالاجتماع على دين واحد، وسلطان واحد، ومذهب واحد، والإجماع الذي هو أحد الأدلة، فكيف تحيل العادة إجماعهم على أمر محسوس مشاهد ممكن إدراكه لجميعهم، أعني رؤية الهلال، وكل عاقل يعلم أنّ العادة قاضية بالإجماع على مثل ذلك، وبِندرة الخلاف وقلّته، فإنه لو سأل سائل رَكْبَ العراق والشام والشرق والغرب واليمن عند اجتماعهم للحج عن أول يوم من شهر رمضان، أو شهر شوال، لوجدهم متفقين في الغالب، فما هذه الدعوى التي ادّعاها السيد رحمه الله على العادة.
وأمَّا قوله: وذلك معنى كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث بالشريعة السمحة، فصحيح الآن التأثيم بصوم ما يجب إفطاره، أو إفطار ما يجب صومه في الواقع من جهل
(1) كلمتان مطموستان.
(2) كلمة مطموسة.