الصفحة 26 من 78

وأمَّا بطلانه اللازم فظاهر، لا ينازع فيه مسلم، إذا تبيّن لك هذا فالعامل بالشهادة والكتابة في محل النزاع عامل بالكتاب والسنة، والدليل على مدعي التخصيص، ولا يصلح له ما زعمه السيد مخصصا، وسيأتي.

قال: بل صرح بنفي الكتابة في ذلك بقوله: نحن أمّة أميّة، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وقبض في الثالثة على أحد أصابعه العشر.

أقول: إنْ أراد السيد رحمه الله تعالى الاحتجاج بهذا الحديث على نفي العمل بالكتابة مطلقا فباطل باطل، وقد عرفتَ ما سلف، فلا نعيده، وقد وقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بكتب الشهادة في كثير من القضايا الواقعة في عصره في كتب الإقطاعات والعهود والمصالحة، وغيرها، وشاع ذلك في عصر الصحابة وذاع، فأي دليل على إنكار كتب هذه الشهادة الخاصة، وإنْ أراد الاحتجاج به على عدم العمل بالكتابة في هذه المسألة كما يُشعر به قوله: بل صرح بنفي الكتابة في ذلك، فليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل الظاهر من الحديث كتابة حساب الأيام، وزيادة الشهور ونقصانها، كما يُشعر بذلك جعلها قرينة لقوله: نحسب، وتعقيبها بقوله: هكذا، وهكذا، وهكذا، أو كتابة حساب سير القمر، والعمل به، أو أنه أُريد بلا نكتب: لا نخط في الرمل، كما تُشعر بذلك مقارنته بالحساب، فإنّ غالب دعاوى الحساب خط الرمل.

قال: وقال: عَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تَعْرِفون، وفِطْرُكُمْ يومَ تُفْطِرون. وذلك ظاهر في أنّ التعريف والفطر إنما يكونان حين يجتمع الناس عليهما، لا حين يختلفون فيها، فيكون الواجب فيهما هو التوقف على ما يوجب الاجتماع، وليس إلاّ هجر ما ذكر، مما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الحديث المذكور دلالة على أنّ عيد أهل جهة ليس عيدا لأهل جهة أخرى، لأنّ الاجتماع العادي لا يكون إلاّ من أهل البلد الواحد، وذلك ظاهره في أنه لم يتعبدهم بحقيقة الأمر في الهلال، لا صوما، ولا فطرا؛ حتى قال الإمام الحسن بن عز الدين [1] عليهم السلام: إنّ العيد الشرعي ثلاثة أيام عيدا صحيحا كما حققه في جوابه على السائل، وذلك معنى كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث بالشريعة السمحة.

أقول: قال الخطابي: معنى الحديث أنّ الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أنّ قوما اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلاّ بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أنّ الشهر كان تسعا وعشرين، فإنّ صومهم وفطرهم ماضٍ، ولا شيء عليهم من وزر وعيب، وكذلك في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة والعيد، فليس عليهم إعادته، وكذلك أضحاهم يجزيهم، وإنما هو رفق من الله، ولطف بعباده، انتهى.

(1) الإمام الناصر لدين الله الحسن بن عز الدين بن الحسن، أحد أئمة آل البيت في اليمن، له كتاب القسطاس في أصول الفقه، انظر ترجمته في كتاب التَّحْف شرح الزَّلْف، الترجمة رقم (91) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت