الصفحة 25 من 78

مَن وثق بحفظه، والإذن في حق من لم يثق كأبي شاهٍ، وحمل بعضهم النهي على كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لأنهم كانوا يسمعون تأويل الآية، فربما كتبوه معه، فنُهُوا عن ذلك، لئلا يختلط به، فيشتبه على القارئ، انتهى ملتقطا من شرح ابن رسلان.

وهكذا يُقال في الحديث الذي أخرجه أبو داود، قال: لمَّا دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث، فأمر إنسانا يكتبه، فقال له زيد بن ثابت: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه. على أنّ تسليم ذلك لا يضر بمحل النزاع.

إذا عرفت هذه الأدلة، علمت أنّ الكتابة ما دُوِّن بمطلقها، وليس للمانع من العمل بها في محل النزاع دليل، وأمَّا الاستشهاد بحديث ابن عباس على صحة هذه الدعوى فستعرف ذلك عند الكلام عليه.

قال: فكان الإشكال في فعل الناس الآن من وجوه أربعة: الأول أنّ العمل على ذلك بدعة لم تؤثر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين، مع اتساع أطراف مملكته، وشدة حرصه على هداية الناس، واجتماع كلمتهم، وإصابتهم الحق، فلم يُعلَم أنه عمل في الناحية التي هو فيها برؤية الهلال في غيرها، ولا بعث بكتاب في ذلك إلى أحد، ولا استدعاه منه.

أقول: هذا التطويل لا طائل تحته، وتكرار عارٍ عن الفائدة، وليس فيه زيادة على ما أسلفه، وقد عرّفناك أنّ عدم ورود محل النزاع ورودا خاصا غير قادح في المطلوب، ولو كان ذلك معتبرا في الشريعة؛ لبطل أكثرها، واللازم باطل، أمَّا الملازمة فللقطع بأنّ المندرج تحت العمومات من جزئيات الأحكام والمحكوم عليه، وفيه أكثر من المنصوص عليه بخصوص، هذه أركان/الإسلام الخمسة ثابتة بالأمر من هذا القبيل فالصلاة بقوله 8 ب [أَقِيمُوا الصَّلَاةَ] [1] ، والزكاة بقوله: [آتُوا الزَّكَاةَ] [2] ، والحج بقوله: [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ] [3] ، والصيام بقوله: [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ] [4] ، وكلمة الشهادة بقوله: أُمرت أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، ولو كان الدليل الخاص شرطا في التكليف فعلا لاستراح كل فرد من أفراد العالم من هذه التكاليف ونحوها قائلا: لم يرد دليل يخصني بوجوب هذه الواجبات عليَّ، وما في هذا من مخالفة العقل والشرع مغنٍ عن بيان بطلانه.

(1) الأنعام 72

(2) البقرة 43، 83، 110، 277، النساء 77، التوبة 5، 11، الحج 41، 78، النور 56، المجادلة 13، المزمل 20

(3) آل عمران 97

(4) البقرة 183

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت