الصفحة 23 من 78

أمَّا الأولى، فلقوله تعالى [وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ] [1] ، ولما ثبت في الصحيح من قوله صلى الله عليه وآله وسلم [2] : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ، وما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمر: اكتب، إلى غير ذلك من الأدلة.

وأمَّا الثانية فلاستلزام عدم القبول؛ كون الأمر لغوا، وأنه باطل، ولا شك أنّ قوله: [وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ] [3] نكرة في سياق النص، تعمّ كل كاتب، والقصر على السبب مذهب مرجوح، فإن قلت: أول الآية في الدَّين [4] ، فيكون العموم بالنسبة إليه، قلت: الأدلة القاضية بقبول مطلق الكتابة تأبى هذا التقييد، وعلى الجملة فالأدلة الدالة على أن الكتابة معمول بها كثيرة جدا، منها أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث بكتبه إلى ملوك الأقطار، ثم يرتّب على ذلك غزوهم، والدعاء عليهم، وهذا دليل على قيام الحجة عليهم ببلوغ تلك الكتب إليهم، وهم لا يعرفون خطّها، ولا يفهمون لفظها، بل تُترجم لهم، ومنها أمره صلى الله عليه وآله وسلم بِكَتْب المصالحة بينه وبين قريش، ومنها كتب الأمانات، ومنها كتب الإقطاعات، ومنها كتب عقد الذمة والصلح، ومنها كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ الصحابة كثيرا من الأحكام الشرعية منه، وقد روي مسندا ومرسلا، فممن رواه مسند أحمد والنسائي وأبو داود في كتاب المراسيل، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأبو يعلى الموصلي، ويعقوب بن سفيان في مسانيدهم، ورواه الحسن بن سفيان الثوري، وعثمان بن سعيد الدارمي، وعبد الله بن عبد العزيز البغوي، وأبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وحامد ابن محمد بن سعيد البلخي، والحافظ الطبراني، وأبو حامد بن حبان البستي في صحيحه، وجماعة، وأمَّا المرسل فرواه النسائي، وأبو داود، والشافعي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم، وقد استوفى ذلك الحافظ بن كثير، ومنها حديث: مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُريِدُ أَنْ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. متفق عليه من حديث ابن عمر، ومنها أمره صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة القرآن، ومنها ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كتب كتابا وختمه، وأمر بسرية تعزم إلى حيث يريد، وأنهم لا يقرؤون الكتاب إلاّ حيث عيّن صلى الله عليه وآله وسلم لهم، ويعملون بما فيه [5] ،

(1) البقرة 282

(2) صحيح البخاري 6/ 211/ م، صحيح مسلم 4/ 110 / م

(3) البقرة 282

(4) يعني قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]

(5) يعني سَرِيّةُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمّ يَنْظُرَ فِيهِ فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ لَا يَسْتَكْرِهَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا. وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ. ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. سَارَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ، فَتَرَصّدْ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ. فَلَمّا نَظَرَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي الْكِتَابِ قَالَ سَمْعًا وَطَاعَةً ثُمّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَمْضِيَ إلَى نَخْلَةَ، أَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا، حَتّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرِ وَقَدْ نَهَانِي أَنْ لَا أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ فَأَمّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُ مَعَهُمْ أَحَدٌ. وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتّى إذَا كَانَ بِمَعْدِنِ فَوْقَ الْفُرُعِ، يُقَالُ لَهُ بَحْرَانُ، أَضَلّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ. فَتَخَلّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ. وَمَضَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيّةُ أَصْحَابِهِ حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ فَمَرّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشِ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأَدَمًا، وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ فاستولى أصحاب عبد الله بن جحش على العير، وأسروا أسيرين وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَبِالْأَسِيرِينَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنّ عَبْدَ اللّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إنّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِمّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ وَذَلِكَ أَنْ يَفْرِضَ اللّهُ تَعَالَى الْخُمُسَ مِنْ الْمَغَانِمِ - فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خُمُسَ الْعِيرِ وَقَسّمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ. الروض الأنف 3 ـ 42 ـ 43 / م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت