ـ والثاني: جَانب مَادّيّ حسّيّ، والجانب الأوّل هو الأصل الأهمّ، والثاني تبع له.
فأمّا أصحاب الأمن الموهوم فهم لا يؤمنونَ إلاّ بالأصل الثاني؛ يقصرونَ تفكيرهم عليه، ولا يهتمّون إلاّ به، ويحصرون جهودهم بأسبابه ووسائله .. ومن ثمّ فلن يكون لهم أمن حقيقيّ، ولن يَنعَموا به، فهم كالمعوّق الفاقد إحدى رجليه، هل يستطيع الجري والسباق؟ أو كالطائر المقصوص أحد جناحيه، هل يستطيع الطيران والتحليق.؟
والأنبياء الكرام عليهم الصلاة السلام أكمل الناس حَالًا في التحقّق بالأمن الحقيقيّ، لأنّهمْ أكمَل الناس إيمانًا، وأعظم الناس بالله يقينًا، وعليه توكّلًا، ألم تر إلى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام عندما أراد قومه أن يلقوه في النار لم يَخف، ولم يفزعْ، وإنّما قال:"حسبي الله، ونعم الوكيل"وعرض له جبريل عليه السلام، فقال له: يا إبراهيمُ ألكَ حاجة.؟ فقال له: أمّا إليك فلا، وأمّا إلى ربّي فبلى .. فقال له: فاسأل ربّكَ، فقال: علمُه بحالي يغني عن سؤالي، فقال ربّنا جلّ وعلا: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) } الأنبيَاء [1] .
(1) ـ انظر تفسير ابن كثير 3/ 164/.