المسجد الحرام، وكان ذلك في عهد معاوية، فقال بعضهم: هلم فلنتمنه، فقال عبد الله بن الزبير منيتي أن أملك الحرمين، وأنال الخلافة، وقال مصعب: منيتي أن أملك العراقين وأجمع بين عقيلتي قريش: سكينة بنت الحسين، وعائشة بنت طلحة، وقال عبد الملك: منيتي أن أملك الأرض كلها، وأخلف معاوية فقال عروة: لست في شيء مما أنتم فيه، منيتي الزهد في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة، وأن أكون ممن يروي عنه هذا العلم. وكان معهم عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال: وأنا أتمنى مغفرة ربي. وكأنما كانت أبواب السماء مفتوحة فاستجابت لهذه الأمنيات في ساحة الحرم، وكأنما ظل عبد الملك يتذكر ذلك المجلس، كلما طاف به طائف من ذكريات الشباب، وكان يرى كلا منهم إلا عروة كان معلق القلب بالسماء، فلم يتمن شيئا من عرض هذه الدنيا وبهجتها، وإنما تمنى الزهد فيها، والفوز بالجنة، وأن تكون أيامه فيها وقفا على نشر العلم بين الناس، وتفجير ينابيعه في قلوبهم، ولذلك كان عبد الملك يقول: من سره أن ينظر إلي رجل من أهل الجنة فلينظر إلي عروة بن الزبير. ومات ابن عمر وهو صائم قائم. انظر: السير (4/ 141.
قال الإمام علي رضي الله عنه:
دَعِ الحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا * * * وَفي العَيْشِ فَلاَ تَطْمَعْ
وَلاَ تَجْمَعْ مِنَ المَالِ * * * فلا تدري لمن تجمع
وَلاَ تَدْرِيِ أَفِي أَرْضِكَ * * * أم في غيرها تصرع
فإنَّ الرزقَ مقسومٌ * * * وَسُوءُ الظَّنِّ لا يَنْفَعْ
فَقِيْرٌ كُلُّ مَنْ يَطْمَعْ * * * غَنِيٌّ كُلُّ مَنْ يَقْنَعْ
ومن طلب الشرف بالدين الجرأة على الفتيا، والحرص عليها، والمسارعة إليها، والإكثار منها, قال علقمة: كانوا يقولون: أجرؤكم على الفتيا أقلكم علما.
وعن البراء قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، ما منهم من رجل إلا ود أن أخاه كفاه. وفي رواية فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول.
وكان ابن سيرين إذا سئل عن الشيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان.
وكان النخعي يسأل فتظهر عليه الكراهة ثم يقول: ما وجدت أحدا تسأله غيري؟ وقال: لقد تكلمت ولو وجدت بدًّا ما تكلمت، وإن زمانا أكون فيه فقيه أهل الكوفة لزمان سوء.