استقبله من صغير أو كبير، ويجيب إذا دُعيَ ولا يحقر ما دُعيَ إليه، لين الخلق، جميل المعاشرة، طليق الوجه، شديدًا في غير عنف، متواضعًا في غير مذلة، جوادًا من غير سرف، رقيق القلب، زادت عائشة - رضي الله عنها - وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يمتلئ قط شبعًا، ولم يبث إلى أحد شكوى، وكان يقول:"البذاذة من الإيمان" (رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم، وصححه الألباني) .
فقال هارون: سألت عن معنى البذاذة فقال: هو الدون من اللباس، فمن طلب التواضع فليقتد به - صلى الله عليه وسلم - ومن لم يرض لنفسه بذلك فما أشد جهله، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - أعظم خلق الله في الدنيا والدين، فلا عز ولا رفعة إلا في الاقتداء به.
وقد يتكبر الإنسان بعلمه: فما أسرع الكبر إلى بعض العلماء فلا يلبث أن يستشعر في نفسه كمال العلم، فيستعظم نفسه ويحتقر الناس ويستجهلهم ويستخدم من خالطه منهم وقد يرى نفسه عند الله تعالى أعلى وأفضل منهم. قال تعالى:"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سورة الأعراف."
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفارًا، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه. فقال: بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة. فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. تفسير الرازي 7/ 297.
والكبر من المهلكات، وإزالته فرض عين، ولا يزول بمجرد التمني، بل بالمعالجة، وفي معالجته مقامان:
أحدهما: قطع شجرته من مغرسها في القلب: