فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 50

إنَّ من أنجع أسباب الإقناع أن يكون المتحدث ممثلًا لما يدعو إليه في نفسه؛ لأنَّ التعارض بين القول والعمل من أعظم أسباب الصد عن قبول الحق.

وإليك هذا المثال الناطق بجلاء على أنَّ من بدأ بنفسه فيما يدعو إليه، كان ذلك أدعى لقبول قوله، ومثال ذلك ما وقع في غزوة الحديبية: (( فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تُكلِّم أحدًا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يُكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا ) ) [1] .

عاشرًا: العناية بالمقاصد والغايات:

المحاور الفطن جعل نصب عينيه تحقيق الغاية التي من أجلها يحاور، فلا تأخذه اعتراضات الخصم عن طلب تلك الغاية، ومن أظهر الأمثلة في سيرة النبي - ما وقع بين النبي - وسهيل بن عمرو عند كتابة الصلح، وفيه: (( فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي - الكاتب، فقال النبي: بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما الرحمن فو الله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمين: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله، ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال النبي: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله ) ) [2] .

فلم يشتغل النبي - بمناقشة سهيل بن عمرو على ما كان يورده من اعتراضات، بل كان حرصه - على تحقيق الغاية التي من أجلها اجتمع به. وفي تتمة القصة زيادة تعنت من سهيل بن عمرو، يقابله - بالحلم والرفق.

حادي عشر: القوة في عرض الحق.

(1) أخرجه البخاري (حديث 2581)

(2) أخرجه البخاري (حديث 2581) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت