إن العرض الهزيل للحق، يُفقده ألقه وقوته، ويغري الخصم بتجاوز الحدود. والمحاور الناجح محتاج في بعض حواراته إلى الصدع بالحق، وعدم الاسترسال مع الخصم في أقواله، ولما قدم ضماد إلى مكة -وهو من أزد شنوءة- وكان يرقي من الريح، فسمع سفهاء مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، فلما لقيه قال له: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟
فقال رسول الله: (( إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد. قال: فقال ضماد: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله - ثلاث مرات، قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس [1] البحر قال فقال هات يدك أبايعك على الإسلام قال فبايعه فقال رسول الله - وعلى قومك قال وعلى قومي ) ) [2] .
فلم يجب النبي - ضماد عن قوله، بل عرض عليه الحق الذي عنده عرضًا قويًا، فما كان من ضماد إلا قبل منه قوله.
(1) اختلف في ضبط هذه الكلمة في نسخ صحيح مسلم، فقيل: قاموس، وقيل: تاعوس، وقيل: قاعوس. والمراد به وسط البحر ولجته. شرح النووي (6/ 157) .
(2) أخرجه مسلم (حديث 868) .