وهو ثمرة الإنصاف، وقد قرر النبي - أنَّ صاحب الحق أعلى حجة، وأقوى عارضة، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان لرجلٍ على رسول الله - حق، فأغلظ له، فهمَّ به أصحاب النبي -، فقال النبي: (( إنَّ لصاحب الحق مقالًا ) ) [1] .
وصاحب الحق في الحديث سواء كان حقًا ماديًا -وهو الذي ورد الحديث من أجله-، أو حقًا معنويًا، فإنَّ معه صولة الحق وقوته، وأنَّه ينبغي أن يُسمع قوله.
وإليك مثالٌ تطبيقي في حوارات النبي - عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: (( جاء حبرٌ من الأحبار إلى رسول الله - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماواتِ على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي - حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله: {? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?} [2] ) [3] .
رابعًا: الحلم وكظم الغيظ:
لا يسلم المحاور من سماع ما لا يحب من خصمه أثناء المحاورة، والمحاور الموفق قد هيأ نفسه لذلك، فلا تستخف به عبارة نابية، أو كلمة جارحة، بل هو في جميع الأحوال رابط الجأش، قد خزن لسانه عن كل قولٍ يحوج إلى اعتذار، أو يفتح لخصمه بابًا يلج من خلاله للطعن أو التشويه، وإذا تملكه الغضب لم يزد عن قول الحق.
وإليك هذين المثالين من حياة النبي:
فقد أعطى النبي - أربعة نفر من أهل نجد، ولم يعط أحدًا من قريش، فغضبوا لذلك، وقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا؟ فقال النبي: (( إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم، فجاء رجل كث اللحية، مُشرف
(1) أخرجه البخاري (حديث 2465) ، ومسلم (حديث 1061) .
(2) سورة الزمر (الآية 67) .
(3) أخرجه البخاري (حديث 4533) ، ومسلم (حديث 2786) .