فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 50

-مراعاة حالة الملل والسآمة: إنَّ للنفس إقبالًا وإدبارًا، ونشاطًا واسترواحًا، ومراعاة تباين تلك الأحوال، ومعرفة أثر ذلك على المخاطب، من دلائل التوفيق للمتحدث، ولهذا الأدب النبوي الكريم تطبيقاتٌ في سيرة النبي -، فكان - يباسط أصحابه ويمازحهم، وكان - يعظهم ويذكرهم، وكان - يعلمهم ويوجههم، ولم يكن يطغى جانب على آخر، بل يراعي مناسبة كل حال.

عن شقيق أبي وائل قال: كان عبد الله يذكرنا كل يومِ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثَك ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كلَ يوم، فقال: ما يمنعني أن أُحدثكم إلا كراهية أن أُملَّكم؛ (( إن رسول الله - كان يتخولنا بالموعظة في الأيام؛ كراهية السآمة علينا ) ) [1] .

-مراعاته في حالة السرور: فالنفس عند فرحها وسرورها، تتطلع إلى من يشاركها فرحتها؛ لأنَّ ذلك من تمام الفرحة وكمالها، وهو حديث يجد القبولَ في نفس المخاطب، وفي قصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - بعد أن أنزل الله توبته، قال كعبٌ: (( فلما سلمتُ على رسول الله - قال: وهو يبرق وجهه من السرور، ويقول: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: لا بل من عند الله، وكان رسول الله - إذا سُر استنار وجهُه، حتى كأنه قطعةُ قمرٍ، وكنا نعرف ذلك منه ) ) [2] .

-مراعاته في حالة الحزن: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (( مرَّ النبي - بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني فإنك؛ لم تُصب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - فأتت بابَ النبي - فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك. فقال: إنما الصبر ثم الصدمة الأولى ) ) [3] .

فإنَّ النبي - أمرها عند مصيبتها بتقوى الله والصبر على ذلك، ولم يؤاخذها على ردِّها مراعاة لحالة الحزن التي عليها. قال الطيبي:"صدر هذا الجواب منه - عن قولها: (لم أعرفك) على أسلوب الحكيم، كأنه قال لها: دعي الاعتذار؛ فإني لا أغضب لغير الله، وانظرى لنفسك" [4] .

عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله: (( إذا حضرتم المريضَ أو الميتَ فقولوا: خيرًا؛ فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) ) [5] . فقول الخير في تلك اللحظات العصيبة تقويةً لعزيمة المريض، وتسلية لأهله.

(1) أخرجه البخاري (حديث 68) ، ومسلم (حديث 2821) .

(2) أخرجه البخاري (حديث 4156) ، ومسلم (حديث 2769) .

(3) أخرجه البخاري (حديث 1223) واللفظ له، ومسلم (حديث 2067) .

(4) فتح الباري (3/ 150) .

(5) أخرجه مسلم (حديث 919) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت