فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 50

فقد خاطب النبي - معاذًا - رضي الله عنه - بما يناسب علمه، ولم يخاطب بهذا الحديث غيره ممن ليس على هذا الوصف، بل أمر معاذًا ألاَّ يخبر به أحدًا؛ لئلا يحمل الحديث على غير المراد به؛ لقلة علمه، وقد بوب الإمام البخاري على هذا الحديث بقوله:"باب من خص بالعلم قوما دون قوم؛ كراهية أن لا يفهموا"، وقال عبد الله بن مسعود: (ما أنت بمحدثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) [1] .

وأما مخاطبة الجاهل فإنَّ النبي - كان يترفق به أثناء المخاطبة، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - (( كنت أمشي مع رسول الله - وعليه رداءٌ نجرانيٌ غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابيٌ فجبذه بردائه جبذة شديدةً، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله - وقد أثرت بها حاشيةُ الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مالِ الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - فضحك، ثم أمر له بعطاء ) ) [2] .

فقد عذر النبي - هذا الجاهل على مقالته الجافية، وقابله بما هو علاج له، وهو الصفح عنه، وزاد على ذلك بأن أمر له بعطاء.

-ثانيًا: التفريق بين الناس عند معالجة أخطائهم:

تتنوع أحوال الناس عند ارتكاب الأخطاء، والحكمة قاضية بمخاطبة كل أحدٍ بما يناسب حاله، وإليك هذه الأمثلة التي تباين فيها الأسلوب النبوي في معالجة الخطأ تبعًا لتباين حال المخطئين:

1: مخاطبة المعاند: حوار المعاند حوار غير ذي جدوي؛ فإنَّه قد أجمع أمره على عدم الاستجابة لمحاوره، فالاسترسال معه والحالة تلك، مضيعة للجهد، واستهلاك للوقت:

عن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - (( أنَّ رجلا أكل عند رسول الله - بشماله، فقال: كُل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال فما رفعها إلى فيه ) ) [3] .

فقد ظهر للنبي - من حال هذا الرجل أنَّه معاندٌ، فلم يسترسل معه في الحديث، بل دعا عليه.

2: مخاطبة المقر بخطئه: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (( أن رسول الله - دخل المسجد فدخل رجل على النبي - فسلَّم فرد رسوله - السلام، وقال: ارجع فصل؛ فإنك لم تُصل، فرجع يصلي كما صلَّى، ثم جاء إلى النبي - فقال: ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق ما أُحسن غيرَه فعلمني ... ) ) [4] .

(1) أخرجه مسلم في المقدمة (1/ 11) باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.

(2) أخرجه مسلم (حديث 1057) .

(3) أخرجه مسلم (حديث 2021) .

(4) أخرجه البخاري (724) ، ومسلم (حديث 397) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت