الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فقد ظلت مكة طيلة قرون طويلة بعيدة عن أطماع المغامرين ونزوات المضاربين وكانت الأوقاف المنتشرة حول المسجد الحرام انتشارًا كبيرًا [1] تُسهم في إيواء الحجاج والعمار وتوفر لقاصد مكة كل عون ومؤازرة غير أن تلك الأوقاف الكثيرة لم يبق منها إلا القليل وتزايد عدد الحجاج والعمار فوجد أصحاب الأموال في مكة ميدانًا واسعًا للكسب وجمع الثروات وأغفلت المطامع قلوبهم عن ما لمكة من قُدسية وحرمة واتخذوا من القول بجواز إجارة دور مكة على وهنه وضعفه مطية لهذا اللهاث المحموم والاستغلال البغيض وحاصروا بيت الله الحرام بالبنايات الشاهقة والعمائر العالية إرضاءً لذوي الترف.
وإذا كانت حكومة المملكة العربية السعودية وراعية الحرمين الشريفين قد بذلت جهودًا ضخمة لخدمة مكة وتيسير سبل الوصول إليها؛ تعظيمًا لدين الله وقيامًا بحق هذه المشاعر والشعائر فإنه لابد من الوقوف في وجه أولئك المتربصين بحجاج بيت الله واتخاذ الإجراءات الحاسمة التي تردع عن هذا الاستغلال المقيت وتعيد ما ضاع من الأوقاف ليكتمل عقد تلك الخدمات الجليلة والإنجازات العملاقة وينعم وفود الرحمن بالأمن والطمأنينة.
(1) ينظر تواريخ مكة: أخبار مكة للأزرق، وأخبار مكة للفاكهي، وشفاء الغرام للفاسي، ومفاتح الكرم للسنجاري، وتحصيل المرام للصباغ وغيرها.