الصفحة 56 من 105

وكانوا هكذا، وخالف بين أصابعه، قال: فما تأمرني به حينئذ، قال: تأخذ بما تعرف، وتدع ما تنكر، وتعمل بخاصة يقينك، وتدع الناس، وعوام أمورهم، ثم أخذ بيده، وأقبل يمشي به؛ حتى وضع يده في يد أبيه، فقال: أطع أباك، فلما كان يوم صفين، قال له أبوه: اخرج فقاتل، فقال: يا أبتاه، تأمرني أنْ أخرج فأقاتل، وقد سمعت ما سمعت يوم يعهد إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعهد، قال: أنشدك بالله، ألم يكن آخر ما عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ أخذ بيدك، فوضعها في يدي، ثم قال: أطع أباك، قال: بلى، قال: فإني أعزم عليك أن تخرج فتقاتل مع معاوية، فخرج متقلدا السيف، هذا حاصل حديث عبد الله، وفي سنده مختَلف فيه، فابن حبان وثقه، وأبو حاتم وغيره ضعّفه، ولا شك أنّ أبا حاتم أحفظ من ابن حبان، بل ابن حبان معروف بالتساهل في التوثيق، فضعف الاستدلال بهذا الحديث، وبتسليمه، فطواعية عبد الله لأمر أبيه إنما هو من حيث الأبوة، لا من حيث كون معاوية هو الإمام الحق، غاية ما فيه أنه يدل على أنّ أمر عمرو لإبنه ليس متعديا به، فوجبت طاعته، ووجه عدم تعديه أنه مجتهد، وهو عن قضاء اجتهاده / بأن معاوية على الحق، وهو الذي دلّ عليه الحديث، غير ما 35 أ ادّعاه السائل، أنَّ أَمْره صلى الله عليه وسلم لعبد الله بمطاوعة أبيه يشمل مطاوعته له في أمره له بالقتال مع معاوية، فيدل ذلك على حقيّة ما عليه معاوية، ووجه عدم دلالة الحديث على هذا الأخير ما تقرر، أنّ الذي دلّ عليه هذا الحديث أنه يجب على عبد الله مطاوعة أبيه، فيما لم يتعد به، وأنّ أمره له بالخروج مع معاوية لا تعدي منه به، بمقتضى ما دلّ عليه اجتهاده، ولا دلالة في الحديث لأمر زائد على هذا بوجه من الوجوه، فتأمل.

الخامس: قوله صلى الله عليه وسلم في عمار أنه يدعوهم إلى الجنة، وهم يدعونه إلى النار، وبالضرورة أنّ الذين دعاهم عمار إلى ذلك هم فئة معاوية، فحكمه صلى الله عليه وسلم بأنهم يدعونه إلى النار صريح في أنهم على الضلال، وجوابه أنّ ذلك إنما يتم لو صحّ الحديث، ولم يمكن تأويله، أمَّا إذا لم يصح، فلا يُستدَل به، والأمر كذلك، فإنّ في سنده ضعفا، يُسقِط الاستدلال به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت