صلى الله عليه وسلم، فلا تكون الخلافة فيهم أبدا، وإنّ أهل المدينة قتلوا عثمان، فلا تعود الخلافة فيهم أبدا، فتأمل هذا الحكم منه رضي الله عنه على أهل مكة بأنهم جُوزوا على ما فعلوه من إخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم، بأن محلهم لا تكون فيه الخلافة أبدا، فوقع الأمر كما أخبر، ولا يرد عليه خلافة ابن الزبير، فإنها كانت بمكة، لأنها لم تتم، إذ الشام ومصر وغيرهما كانت كلها خارجة عن ولايته، وأيضا فكانت مُنازعا فيها من أولها إلى آخرها، فلم يصفَ له يوم من الدهر، وعلى أهل المدينة، أي مَن كان فيها حين قُتل عثمان بأن الخلافة لا تعود إليهم، أي لا تعود إلى المدينة، فلا تكون مستقرا للخلافة أبدا؛ مجازاة لهم بما فعلوه بعثمان رضي الله عنه، فوقع الأمر هنا أيضا كما أخبر معاوية، بل هنا لم يقع صورة خلافة، ولا ادّعاؤها، بخلاف مكة / فإنها وقع فيها نوع من صورة الخلافة، ولا عبرة بها؛ لأنها لم 26 ب تُسمَّ خلافة على الإطلاق، فعُلِم برّ معاوية فيما قاله، وإنّ الأمر وقع بعدُ كما أخبر، وهذه كرامة جليلة لمعاوية رضي الله عنه، وليست الخوارق والكرامات ببعيدة على مَن حلّ عليه نظر مُمِد العالم بأسره، في سره وجهره صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرّم.
ومنها ما جاء بسند في رجاله خلاف، أنّ ابن عمر قال: ما رأيت أحدا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية، وهذه شهادة من هذا الإمام الجليل بأن معاوية بلغ من السؤدد والسيادة غايتها، وأنه جمع صفات الكمال؛ لتوقف ذلك عليها، وهي: الحلم والعلم والكرم، وكان معاوية بالغا في كل من هذه الثلاثة مبلغا عظيما.
ومنها ما جاء عن الأعمش بسند فيه ضعف أنه قال: لو رأيتم معاوية
لقلتم هذا المهدي، والأعمش من أجلاّء التابعين وعلمائهم، فشهادته بذلك لمعاوية تستدعي مدحا عليا لمعاوية، وثناء جليلا عليه، وإخبارا بأنه كان ماشيا في جميع أموره على الحق المزيد، بحسب ما أدّاه إليه اجتهاده، وأنه عمّ الناس بره ونواله، كما أنّ المهدي كذلك في جميع هذه الأمور.