الصفحة 46 من 105

ومنها ما جاء بسند رجاله ثقات أنه خطب يوم جمعة، فقال: إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا منعناه / فلم يجبه أحد، ثم خطب يوم الجمعة 27 أ الثانية، فقال ذلك، فلم يجبه أحد أيضا، ففعل في الثالثة كذلك، فقام إليه رجل، فقال: كلاّ، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بأسيافنا، فمضى في خطبته، ثم لمَّا وصل منزله، أرسل للرجل، فقالوا: هلك، ثم دخلوا؛ فوجدوه جالسا معه على سريره، فقال لهم: إنّ هذا أحياني، أحياه الله، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون من بعدي أمراء، يقولون فلا يُردّ عليهم، يتقاحمون في النار، كما تتقاحم القردة، وإنّي تكلمت أول جمعة، فلم يرد عليّ أحد، فخشيت أنْ أكون منهم، ثم في الجمعة الثانية، فلم يرد عليّ أحد، فقلت: إني منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فردّ عليّ، فأحياني أحياه الله تعالى، فتأمل هذه المنقبة الجليلة، التي انفرد بها معاوية، إذ لم يَرِدْ عن أحد مثلها، فإنك إنْ أخلصت قصدك، وتحققت توفيقك، حملك على أنك تعتقد كماله، وتترضى عنه وتعلم أنه كان حريصا على العمل؛ لما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمكنه، وأنه كان من الخائفين على نفسه أنْ توجد منه أدنى فرطة، فحماه الله وآمنه، رضي الله عنه.

ومنها أنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث، وثلاثة

وستين حديثا، اتّفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد / 27 ب

البخاري بأربعة، وانفرد مسلم بخمسة.

ومنها أنه لمَّا حضرته الوفاة أوصى أنْ يُكفَّن في قميص كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كساه إيا، وأن يجعل مما يلي جسده، وكان عنده قلامة أظفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوصى أن تُسحق، وتُجعل في عينيه وفمه، وقال: افعلوا ذلك بي، وخلّوا بيني وبين أرحم الراحمين، ولمَّا نزل به الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، وأني لم ألِ من الأمر شيئا، وهذا شأن الكُمَّل، رضي الله عنهم، فهنيئا له أنْ يسر له مماسة جسده لما مسه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختلاط باطن فمه وعينيه بما انفصل من بدن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت