على تلك النعم؛ ليكون من جملة الراضين الشاكرين، الذين هم أفضل العارفين، وأعلم العلماء العاملين، وقوله: وجد مني بعض خاصتكم إلى آخره، تجده غاية في التسليم، والتسلي، أي إنْ فُرض أنّ بعض خاصتكم غضب عليّ، فلا يُؤثِّر غضبه فيّ؛ لأنه إنْ كان عن غير موجب فظاهر، أو عن موجب، فينبغي أن أُسامَح في ذلك؛ لأني تكررت مني الصلات الكثيرة لعامتكم، فلتكن هذه بتلك، وقوله: فما لي أنْ أتمنى إلى آخره، فيه الاعتراف بتوالي نعم الله عليه، وأنه قانع بما وصل إليه من النعم، ساكت عن تمني أكثر من ذلك، فإنه قد يكون للنفس فيه حظ، وكل ما لها فيه حظ، ولو بالقوة ينبغي تركه، والإعراض عنه، قوله: فرحم الله إلى آخره، فيه غاية التواضع، وإظهار الافتقار، والاحتياج إلى دعاء الرعية، وأنّه واحد من جملتهم، محتاج إليهم، وقوله: كبرت سني إلى آخره، فيه إظهار الافتقار إلى الله تعالى، وأنه بعد أنْ وصل إلى هذه الأمور صار ضعيفا عاجزا، لا قوة له على الملك، وما / يحتاج إليه، إلاّ بمعونة عظيمة له 25 ب من ربه، وقوله: ولولا هواي إلى آخره، فيه غاية التسجيل على نفسه بأن مزيد محبته ليزيد أعمت عليه طريق الهدى، وأوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى، لكنه قضاء انحتم، وقدر انبرم، فسلب عقله الكامل، وعلمه الشامل، ودهاءه الذي كان يُضرب به المثل، وزين له من يزيد حسن العمل، وعدم الانحراف والخلل، كل ذلك لما أشار إليه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من أنه إذا أراد الله إنفاذ أمره، سلب ذوي العقول عقولهم، حتى ينفذ ما أراده الله تعالى، فمعاوية معذور فيما وقع منه ليزيد؛ لأنه لم يثبت عنده نقص فيه، بل كان يزيد يدس على أبيه من يُحسِّن له حاله، حتى اعتقد أنه أولى من أبناء بقية أولاد الصحابة كلهم، فقدمه عليهم مصرحا بتلك الأولوية التي تخيلها ممن سُلِّط عليه ليُحسِّنها له، واختياره للناس على ذلك، إنما هو لظن أنهم إنما كرهوا توليته لغير فسقه من حسد أو نحوه، ولو ثبت عنده أدنى ذرّة مما يقتضي فسقه، بل وإثمه، لم يقع منه ما وقع، وكل ذلك دلت عليه هذه الكلمة الجامعة المانعة، وهي قوله: ولولا هواي في يزيد، أبصرت قصدي، فتأمل ذلك لتحيط منه بما ذكرته، وفتحت لك باب ما بقي في كلامه من الإشارات