الصفحة 42 من 105

عليه وسلم، لا سيما في الصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية، وأقرب / الوصلات الرحمانية. ... 24 أ

ومنها ما جاء بسند فيه متروك، أنه لمَّا وصل رابغا متوجها لمكة من الشام، اطلع في بئر عاديّة؛ فأصابته لقوة [1] ، فاستتر إلى أن دخل مكة؛ فجاءه الناس، فلفّ رأسه وشِق وجهه بعمامة، ثم خرج فخطب، وقال من جملة خطبته: إنْ أُعافى فقد عوفي الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم، وإن ابتُليت فقد ابتُلي الصالحون قبلي، وما أيأس أن أكون منهم، وإن كان مرضَ مني عضو، فما أحصي صحيحي، وإنْ كان وجد، أي غضب مني بعض خاصتكم، فقد كنت وصولا لعامتكم، فما لي أنْ أتمنى على الله أكثر مما أعطاني، فرحم الله رجلا دعا لي بالعافية، فارتجت الأصوات بالدعاء له، فاستبكى وبكى، فقال له مروان: ما يُبكيك، قال: ما، أي شيء كنت عنه عزوبا، كبُرت سنِّي، ورق عظمي، وكثرت الدموع في عيني، ورُميت في أحسن ما يبدو مني، ولولا هواي في يزيد، أبصرت قصدي، فتأمل هذا الكلام البليغ منه، الدال على ما عنده من العلم والمعرفة، لا سيما قوله أولا: وإني لأرجو، وثانيا: وما أيأس، فإنّ فَرَقَه بين هذين المقامين مبني على غاية الرجاء والخوف، وأنهما مستويان عنده، كما هو الأصح عندنا في حق الصحيح، وأمَّا المريض فالأولى له تغليب رجائه على خوفه، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: أنا عند ظن عبدي بي، فلا يظن بي إلاّ خيرا، وفي رواية: لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن ظنه بربه، أي يظن أنه سيغفر له / ويرحمه 24 ب وتأمل قوله: وإنْ كان مرِضَ مني عضو إلى آخره، تجده أصلا عظيما في الرِّضا بالقضاء، بل في الشكر؛ لأنّ الإنسان إذا نزل به مرض في عضو من أعضائه، فينبغي له الرضا بذلك، والشكر لربه؛ لأنّه وإنْ ابتلاه بمرض عضو، فقد أبقى له أعضاء لا تنحصر سالمة من المرض، وهذه نعم كثيرة لا تُحصى، في مقابلة بلية واحدة، فليرض بهذه البلية، ويشكر

(1) اللَّقْوة: داء يكون في الوجه يَعْوَجُّ منه الشِّدق، وقد لُقِيَ فهو مَلْقُوٌّ. ولَقَوْتُه أَنا: أَجْرَيْت عليه ذلك. قال ابن بري: قال المهلبي واللُّقاء، بالضم والمد، من قولك رجل مَلْقُوٌّ إذا أَصابته اللَّقْوة. وفي حديث ابن عمر: أَنه اكْتَوَى من اللَّقْوَة، هو مرض يَعْرِضُ لوجه فيُميلُه إِلى أَحد جانبيه. لسان العرب (لقا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت