الصفحة 41 من 105

مع أمه إذ عثر، فقالت له: قم، لا رفعك الله، فقال لها أعرابي: لِم تقولين هذا! والله إني لأراه يسود قومه، فقالت: لا رفعه الله إنْ لم يسُد إلاّ قومه، وكأنها أخذت ذلك من أخبار بعض الكهان.

ومنها: قول ابن عباس في حقه: ما رأيت للملك أعلى من معاوية، رواه

البخاري في تاريخه، ويوافق ذلك ما ذكروه أن عمر لمَّا دخل الشام، ورآى معاوية، وكثرة جنوده، وأبهة ملكه، أعجبه ذلك، وأُعجِب به، ثم قال: هذا كسرى العرب، أي في فخامة الملك، وباهر جلالته، وعظمة أبهته، فتأمل هذه الشهادة له من عمر، مع الرضا بما هو فيه، والإعجاب به، وتلك الشهادة له من ابن عباس، مع / أنه كان من فئة علي كرم الله وجهه، 23 ب والمحاربين معه لمعاوية رضي الله عنهم، ومع ذلك لم ينقص معاوية شيئا من حقه، ولا أنقصه، بل بالغ في الثناء عليه، وأنه فقيه مجتهد، وهذا مما ينبهك على أنّ الصحابة رضوان الله عليهم، وإنْ تحاربوا وتقاتلوا باقون على محبة كل للباقين، وإبداء عذر الخارجين منهم على بقيتهم، وقد سبق عن علي رضي الله عنه قوله عن قتلى معاوية أنهم في الجنة، وسيأتي عنه أنه قال: إخواننا بغوا علينا، وقال في حق طلحة وقد حاربه حربا شديدا: أنا وهو كما قال الله تعالى: [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] [1] ، وبعد أن أحاط خُبْرُك بهذا كله من علي، لم يبق لك عذر بوجه في الاعتراض على أحد من الصحابة، فيما وقع منه مع البقية؛ فتنبه لذلك، ونبِّه الناس عليه، فإنه لا أنفع في المعترضين من كلام عليّ هذا.

ومنها: ما جاء عن أبي الدرداء رضي الله عنه، بسند رجاله رجال الصحيح، إلاّ واحدا منهم فثقة، أنه قال: ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من أميركم هذا، يعني معاوية، فتأمل شهادة هذا الصحابي الجليل، بهذه المنقبة العظيمة لمعاوية، رضي الله عنه، وأنها تدل على عظيم فقهه، واحتياطه وتحريه لما كان عليه صلى الله

(1) الحجر 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت