أحبّ منكم أن يفطر فليفطر، قال النووي رحمه الله تعالى: قول معاوية هذا ظاهر فيه أنه سمع مَن يوجب صوم عاشوراء / أو يحرّمه، أو يكرهه، فأراد معاوية إعلامهم بأنه ليس 21 أ بواجب، ولا حرام، ولا مكروه، وخطب به في ذلك الجمع العظيم، ولم ينكر أحد منهم عليه، فظهر بذلك عظيم فقهه، وقوة اجتهاده، بل وبلوغه فيه مرتبة عليّة جدا، كيف وقد بالغ في التعريض بالمخالفين له؛ ليناظروه في صوم يوم عاشوراء، فسكتوا، ولم يقدر منهم أحد على مناظرته سرا ولا جهرا، لا يقال إنما سكتوا لأنه الخليفة حينئذ، فخافوا أن يغلظ عليهم، لأنَّا نقول هذا لا يتوهم فيمن قال في حقه صلى الله عليه وسلم أنه أحلم الأمة، فمن حاز هذا الوصف الأعظم كيف يخشى أحد من الكلام معه في مسألة علمية، طلب هو المباحثة فيها بحضرة أولئك الجمع الكثيرين، وأيضا من يعلم منه أنه تحمل وهو الخليفة الأعظم ممن يبصق على وجهه؛ فيمسحه، ويقول: طاهر على طاهر، كيف لا يتحمل مَن يبحث معه في مسألة علمية؛ ليعرف الصواب فيها من غيره، وإنْ حصل منه ما يقع في المباحثة ما حصل، كلاّ لم يسكتوا إلاّ لعلمهم بأنه الفقيه المجتهد، الذي لا يُجارى، والحبر الذي لا يُمارى، ومما يدل على تحقيقه، وعظيم اجتهاده أيضا ما أخرجه الفاكهي من رواية ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: لمَّا حجّ معاوية فحججنا معه، فلما طاف بالبيت، صلّى عند المقام ركعتين، ثم مرّ بزمزم، وهو خارج إلى الصفا، فقال: انزع لي منها دلوا يا غلام، قال: فنزع له دلوا، فأتى به فشرب، وصبَّ / على وجهه ورأسه، وهو يقول: زمزم شفاء 21 ب وهو لما شُرب له، فتأمل كون ابن الزبيرعبد الله، مع وفور علمه، وتقدمه، يحتج بأفعال معاوية، ويتابعه عليها، ثم بأقواله، وينقلها عنه، تجد الصحابة رضوان الله عليهم متطابقين على الاعتراف بعلمه واجتهاده، وأنه غير منازع في ذلك، ولا مُدافع، وقد استدل بعض المحققين من أكابر الحفاظ بكلام معاوية، هذا على أنّ ما اشتهر على الألسنة من حديث: ماء زمزم لما شُرب له، له أصل أصيل، وذلك لأن كلام معاوية جاء بسند حسن، وهومصرح بهذا الحديث، فيكون حجة على صحته، إذ الصحابي إذا قال شيئا، لا مجال للاجتهاد فيه، يكون في حكم