الصفحة 35 من 105

ومنها ثناء عليٍّ كرم الله وجهه عليه، بقوله: قتلاي وقتلى معاوية في الجنة، رواه الطبراني بسند رجاله موثوقون على خلاف في بعضهم، فهذا من عليّ صريح لا يقبل تأويلا بأن معاوية مجتهد، توفرت فيه شروط الاجتهاد الموجبة لتحريم تقليد الغير، إذ لا يجوز لمجتهد أنْ يقلد مجتهدا بالاتفاق، سواء خالفه في اجتهاده وهو واضح، أم وافقه لأنّ كلًا إنما أخذ ما قاله من الدليل لا غير، وذلك يسمى موافقة لا تقليدا، ولهذا أوّل أصحابنا ما أوهمه بعض العبارات أنّ الشافعي رضي الله عنه أخذ بقول عثمان في شرط البراءة في العيب عن جميع العيوب، وبأكثر أقوال زيد في الفرائض بأن المراد أنّ اجتهاده وافق اجتهادهما، لا أنه قلد أحدهما، لأنّ المجتهد وإن تأخر، لا يجوز له تقليد مجتهد آخر ولو من الصحابة رضوان الله عليهم، وتصريح لا يقبل تأويلا من عليّ أيضا بأنّ معاوية لأجل اجتهاده، وإنْ أخطأ فيه، كما هو شأن سائر المجتهدين بنص الحديث، ومَن اجتهد وأخطأ فله أجر، مأجور هو وأتباعه المقلدون له، والموافقون له في الاجتهادات؛ لأن كثيرا من الصحابة، وفقهاء التابعين كانوا موافقين له في اعتقاد حقيقة / ما هوعليه؛ حتى مقاتلة علي 19 أ ففعله لذلك لم يكن عن حسد لعلي، ولا عن طعن فيه، حاشاه الله من ذلك، وإنما كان عن أمر قام في اعتقاد معاوية باعتبار الدليل الملجئ له إلى ذلك؛ لأن المجتهد أسير الدليل الذي انقدح له، فلا يجوز له مخالفته بوجه من الوجوه، فلذا أُثيب هو وأتباعه، وإنْ كان الحق مع عليّ وأتباعه، وتأمل كون علي كرم الله وجهه مع اعتقاده حقيقة ما هو عليه، وبطلان ما عليه معاوية، حكم مع ذلك بإثابة معاوية وأتباعه، وأنهم كلهم في الجنة، فعلم صحة ما ذكرته أنّ هذا من عليّ صريح، لا يقبل تأويلا بأنّ معاوية وأتباعه مثابون غيرمأثومين بما فعلوه من قتال علي، وإنما قاتلهم مع ذلك لأنّ البغاة يجب على الإمام قتالهم، وهؤلاء بغاة، إذ ليس من شرط البغي الإثم، بل شرطه التأويل الغير القطعي البطلان، ومن ثم قال أئمتنا: ليس البغي اسم ذم، وقال الشافعي رضي الله عنه: أخذت أحكام قتال البغاة مما فعله عليّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت