الصفحة 34 من 105

مجلسه، الذين هم أكابر المهاجرين والأنصار بأنه ما في قومه مثله، وبأنه لم ير منه، ولم يبلغه عنه إلا الخير، يقطع أعناق الطاعنين عليه، ويقصم ظهور المعاندين والغالين فيما نسبوه إليه.

ومنها أنّ عمر حضّ الناس على اتّباع معاوية، والهجرة إليه إلى الشام إذا وقعت فُرقة، أخرج ابن أبي الدنيا بسنده أنّ عمر قال: إياكم والفُرقة بعدي، فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام، فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستنبزها منكم [1] ، كذا رأيت في النسخة التي عندي من الإصابة، والظاهر أنّ كيف معمولة لمحذوف، دلّ عليه السياق / وضمير يستنبزها للفرقة، وحينئذ فالمعنى 18 أ أنه يحرضهم إذا وقعت فتنة، أوجبت افتراق الصحابة؛ لموت الخلفاء الراشدين أنْ يخرجوا إلى معاوية، ويفوضون إليه أمر تلك الفتنة؛ لعظيم رأيه، وحسن تدبيره؛ لاتّفاقهم على أنه كان من دهاة العرب، وحكمائهم، ولا يعرف الرأي الصحيح عند وقوع الفرقة، واصطلاء نار الفتنة إلاّ مَن أخذ من الحكمة والدهاء الناشئين عن كمال العقل، وصحة التجربة بالبر الكلي، أو الأغلبي، بالغاية القصوى، والمرتبة العليا، ومعاوية ممن بلغ هذه المرتبة، كما شهدت به أقرانه، وأقضيته وتصرفاته، وحلمه وحكمه، فلذا أمرهم عمر باللحوق به، وأشار إليهم أنهم يلقون إليه مقاليد أمور تلك الفتنة، فإنه يُطفئها برأيه، وأنهم إنْ وكلوا إلى رأيهم بقوا في الفتنة حائرين، ولم يحسنوا التخلص منها على الوجه الأكمل، والطريق الأقوم الأعدل، وهذا من عمر رضي الله عنه كرامة باهرة؛ لتضمنه الإخبار بأن الأمر سيصير إليه، وأنّ مقاليد الأمة لا يعول فيها إلاّ عليه، ومدحة عالية، وشهادة له بالقوة النفسية، وغايتها من الذكاء والدهاء، والعلم ببواطن الأمور على ما هي عليه، والحكمة المقتضية لوضع كل شيء في محله، والاجتهاد في الفروع والأحكام، المنجي من غياهب المشكلات عن مضائق العويصات، وكفى بهذه / الأوصاف الجليلة من 18 ب مثل عمر لمعاوية؛ رفعة في مرتبته، وشهادة بكمال منقبته، وبار فطنته.

(1) الإصابة 3/ 104 / المكتبة الشاملة: قال بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباد حدثنا سفيان عن شيخ قال: قال عمر: إياكم والفرقة بعدي فإن فعلتم فاعلموا أن معاوية بالشام فإذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت