، فنظر إلى الحالة الراهنة، وأنّ المُحرم أشعث أغبر/17 أ كما قال صلى الله عليه وسلم، وقصد التجمل لم يطلع عليه عمر، وبفرض الاطلاع عليه، يمكنه أن يقول هذا، أعني التجمل للعشيرة، يحصل بعد التحلل من الإحرام، فلا ضرورة إليه قبله، وبهذا يعلم أنّ ما رآه عمر هو الأحق بالسنّة، والأوفق للحديث المذكور، وما رآه معاوية من أنه يُستثنى من ذلك القدوم على الأهل، فينبغي التجمل حينئذ، ولو للمحرم، يمكن أن يقال به؛ عملا بالقاعدة المقررة في الأصول، أنه يُستنبط من النص معنى يخصصه، ومع ظهور رأي عمر، عذر معاوية فيما رآه أيضا، واحتمل قوله: لقد بلغني أذاك إلى آخره، نظرا إلى القاعدة المقررة: أنّ المجتهد لا ينكر على مجتهد، وقد بلغ عمر في الرجوع إلى الحق إذا نُبِّه له، ولو من السّب المبلغ الرفيع المكان، الذي لم يبلغه غيره.
ومنها ثناء الصحابة رضي الله عنهم الثناء البليغ جدا عليه. أخرج ابن سعد أنّ معاوية دخل على عمر رضي الله عنهما، وعليه حلّة خضراء، فنظر إليه الصحابة، أي نظر إعجاب به، أو منه، فلمَّا رآهم عمر ينظرون إليه، جعل يضربه بالدرة، ويقول: الله الله يا أمير المؤمنين! فيم فيم، فلم يكلمه عمر حتى رجع لمجلسه، فقال له الصحابة: لمَ ضربت الفتى؟ ما في قومك مثله، أي عُمَّالك، ويحتمل أنْ يريد ما بالقوم قرشيا، وعلى كل، فالمثلية نسبية، فقال: ما رأيت منه إلاّ خيرا، لكن رأيته، وأشار بيده إلى فوق، فأردت أنْ أضعه، أي رأيت عليه ما يُشعِر بالتكبُّر، فأردت أنْ أُرشده / 17 ب إلى التواضع ما أمكنه، فإن قلت: قال معاوية فيما مرّ آنفا: إنما لبستهما إلى آخره، وسكت هنا، قلت: لأنّ ما صدر منه هنا فعل، وهو الضرب، وبعد وقوعه اجتهاد صحيح، لا يمكن اعتراضه، ولا لكلام فيه، وبهذا يظهر لك تمام فقه معاوية، وبلوغه المرتبة العلية في العلم والأدب، ولذا قابله عمر بما يأتي، لا سيما وقد قال له الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أهل مجلسه، وهم أكابر المهاجرين والأنصار، كما دلت عليه الآثار الصحيحة: ما في قومك مثله، مشيرين إلى نوع اعتراض عليه، فأجابهم بقوله: ما رأيت منه، وما بلغني عنه إلاّ الخير، وهذا لمن تأمله يدل على منقبة باهرة، ومدحة ظاهرة لمعاوية، إذ هذه الشهادة من عمر وأهل