الصفحة 31 من 105

ومنها أنّ عمر رضي الله عنه مدحه وأثنى عليه، وولاه دمشق مدة خلافة عمر، وكذلك عثمان رضي الله عنه، وناهيك بهذه منقبة عظيمة من مناقب معاوية، ومَن الذي كان عمر يرضى به لهذه الولاية الواسعة المستمرة، وإذا تأملت عزل عمر لسعد بن أبي وقاص الأفضل من معاوية بمراتب، وإبقائه لمعاوية عمله / من غير عزل له، علمت بذلك أنّ هذا يُنبئ عن رفعة 15 ب كبيرة لمعاوية، وأنه لم يكن، ولا طرأ فيه قادح من قوادح الولاية، وإلاّ لما ولاه عمر، أو لعزله، وكذا عثمان،

وقد شكى أهل الأقطار كثيرا من ولاتهم إلى عمر وعثمان فعزلا عنهم مَنْ شكوهم، وإنْ جلّت مراتبهم، وأما معاوية فأقام في إمارته على دمشق الشام هذه المدة الطويلة، فلم يشكُ أحدٌ منه، ولا اتّهمه بجور، ولا مظلمة، فتأمل ذلك؛ ليزداد اعتقادك، أو لتسلم به من الغباوة والعناد والبهتان، وسبب ولايته لدمشق أنّ أبا بكر رضي الله عنه لمَّا استُخلِف بث الجيوش إلى الشام، وولاّها يزيد بن أبي سفيان أخا معاوية، فسار معه معاوية، فلمَّا مات يزيد استخلف أخاه معاوية على عمله، فأقرّه عمر رضي الله عنه على ذلك مدة خلافته، وكذلك عثمان، فمكث أميرا نحو عشرين سنة، وخليفة عشرين، ثم لم يبايع عليا كرم الله وجهه للتأويل الآتي بيانه، واستقلّ في زمن خلافة عليٍّ بالشام، ثم ضمّ إليها مصر، ثم تسمّى بالخلافة بعد الحكَمين، يوم صفين، ثم استقل بها لمَّا صالح الحسن، ونزل له الحسن عنها باختياره ورضاه، بل مع كره أتباعه وأعوانه، ومع غلبة الظن بأنه لو حارب معاوية لغلبه، فلم يكن لنزوله سبب إلاّ خشية رضى الله عنه على دماء المسلمين، فإنه كما قال علم أنّ الفئتين متكافئتان، أو قريبتا التكافؤ، فلا يقع ظفر واحدة / إلاّ بعد فناء 16 أ معظم الأخرى، والترك لأجل ذلك من أعظم مناقبه رضي الله عنه، ولذا أثنى عليه به جده صلى الله عليه وسلم على المنبر على رؤوس الأشهاد؛ إعلاما لهم بما سيقع منه؛ لئلا يظن الجاهل أنّ الحامل له على ذلك الصلح جبن أو نحوه، فقال وقد أمسكه: إنّ ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين، فساوى بينهم في الإسلام، ولم يذكر مرجحا لأحدهما؛ إعلاما لاستوائهم في أصل الثواب، والله المرشد لاعتقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت