ومعاوية مجتهد بلا شك، فإذا أخطأ في تلك الاجتهادات كان مثابا، وكانت غير نقص فيه، وإنْ سمي ملكه المشتمل عليه عاضا، ثم رأيت حديثا مصرحا بأنّ ملك معاوية، وإنْ كان عاضا [1] من وجه أو وجوه، ولفظه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول هذا الأمر نبوة ورحمة [2] ، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليها تكادم الحمير، فعليكم بالجهاد، وإنّ أفضل جهادكم الرباط، وإنّ أفضل رباطكم عسقلان. رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وهو صريح فيما ذكرته، إذ الملك الذي بعد الخلافة هو ملك معاوية، وقد جعله رحمة، ففيه عض ورحمة باعتبار، لكن الظاهر باعتبار ما وجب في الخارج أنّ الرحمة في ملك معاوية أظهر، والعض فيما بعده أظهر، إلاّ ولاية عمر بن عبد العزيز، فإنها ملحقة بالخلافة الكبرى، ولذا الحق / بالخلفاء الراشدين 15 أ وصحّ حديث: لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، وفي رواية في سندها ضعف: اثنا عشر قيّما من قريش، لا يضرهم عداوة مَنْ عاداهم.
ومنها ما جاء بسند رجاله ثقات، على خلاف في بعضهم، أنه صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر في أمر، وقال لهما: أشيروا عليّ، مرتين، ففي كل يقولان: الله ورسوله أعلم، فأرسل لمعاوية، فلما وقف بين يديه، قال: أحضروه أمركم، وأشهدوه أمركم، فإنه قوي أمين.
فتأمل هذين الوصفين الجليلين للائقين بالخلافة، تجد معاوية أهلا لها، ولذا لمَّا نزل له الحسن عنها، لم يطعن أحدٌ فيه بكلمة، وإنما كان الطعن عليه قبل ذلك؛ لأن الخليفة الحق عليّ، فولده الحسن كرم الله وجههما.
ومنها ما جاء بسند رواته ثقات، على خلاف فيهم، وإرسال فيه، أنه صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية، فقال: اللهم علمه الكتاب والحساب، ومكّن له في البلاد، وقه سوء العذاب، وفي رواية: اللهم علّم معاوية الكتاب والحساب.
(1) كتب في الهامش: لعله سقط هنا من القلم: إلاّ أنه رحمة.
(2) كتب: وحمة.