الدنيا رأس كل خطيئة، كما في الحديث: فمن وقاه الله حبها، ورزق حقيقة الجود، كان ذلك علامة على أنه لم يبق في قلبه مثقال ذرة من حسد، ولا يلتفت إلى فانٍ، والاشتغال بقاطع من قواطع الخيرات الظاهرة والباطنة، وحيث خلص القلب من هاتين البليّتين القبيحتين، بل لا أقبح منهما: الغضب والبخل، المستتبعان لأمهات النقائض، وعظائم الخبائث، كان متحليا بكل كمال وخير، مُطهَّرا من كل شرٍّ وضير، وحينئذ نتج من هاتين الكلمتين: أحلم أمتي، وأجودها، الجامعتين المانعتين، كما تقرر أنّ الصادق المصدوق شهد لمعاوية بأنه بلغ جميع ما قررته في شرح هاتين بزيادات، وأنه لا يتطرق إليه ما انتحله عليه، ونسبه إليه ذوو البدع والجهالات، فإن قلت: هذا الحديث المذكور / سنده ضعيف، فكيف يُحتج به؟ قلت: الذي أطبق 12 أ عليه أئمتنا الفقهاء، والأصوليون، والحفاظ أنّ الحديث الضعيف حجة في المناقب، كما أنه ثَم بإجماع مَن يعتقد به حجة في فضائل الأعمال، فإذا ثبت أنه حجة في ذلك، لم تبق شبهة لمعاند، ولا مطعن لحاسد، بل وجب على كل مَن فيه أهلية أنْ يُقِرّ هذا الحق في نصابه، وأنْ يرده إلى إهابه، وأن لا يُصغي إلى ترّهات المضلين، ونزغات البطلين، وبعد أن تقرر لك ما ذكر في الحديث الضعيف، فليكن ذلك على ذكرك، في كل محل من هذا الكتاب وغيره، رويت فيه حديثا ضعيفا، فيه منقبة لصحابي أو غيره، فاستمسك به، لما علمت أنه هنا حجة كافية، لكن شرط على الأصح أنْ لا يشتد ضعفه، بأن لا يُنسب لأحد من رواته وضع أو نحوه، وإلاّ لم يُحتج به مطلقا.
ومنها الحديث الذي خرّجه الملا في سيرته، ونقله عن المحب الطبري في رياضه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأشدهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، ولكل نبي حواري، وحواريي طلحة والزبير، وحيثما كان سعد بن أبي وقاص كان الحق معه، وسعيد بن زيد أحد العشرة من أحباء الرحمن، وأبو عبيدة بن الجراح أمين الله، وأمين رسوله صلى الله عليه وسلم، وصاحب سرِّي معاوية بن أبي سفيان، فمن أحبهم / فقد نجا، ومَن أبغضهم فقد هلك. ... 12 ب