فأخذ سلاحه، فقال له الأسد: صه، إنما أرسلت إليك رسالة؛ لتُبلَّغها، قلت: مَنْ أرسلك، قال: الله أرسلني إليك؛ لِتُعلِم معاوية أنه من أهل الجنة، قلت: مَنْ معاوية؟ قال: ابن أبي سفيان.
ولا يُستبعد ذلك؛ لأنّ كلام الأسد له كرامة، وهي جائزة الوقوع؛ خلافا للمعتزلة، وكونه من أهل الجنة، شهدت به أدلة كثيرة، لو لم يكن إلاّ الدعاء له بأن يكون هاديا مهديا، فليس هنا استغراب، يؤدي إلى الطعن في هذه الحكاية بوجه.
ومنها الحديث الذي خرّجه الحافظ عن الحارث بن أسامة، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: أبو بكر أرقّ أمتي وأرحمها [1] ، ثم ذكر مناقب بقية الخلفاء الأربعة، ثم مناقب جماعة آخرين من أصحابه، وذكر منهم معاوية، فقال: صلى الله عليه وسلم: ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي، وأجودها، فتأمل هذين الوصفين الجليلين اللذين وصفه صلى الله عليه وسلم بهما، تعلم أنه حاز بسببهما مرتبة جليلة رفيعة من الكمال، لم يحزها غيره، إذ الحلم والجود يُنبئان عن انتفاء سائر حظوظ النفس / وشهوتها، أمَّا الأول فلأنه لا 11 ب يحلم، لا سيما في مضائق النفس، وثوران فورة غضبها إلاّ مَنْ لم يبق في قلبه مثقال ذرة من كِبْر، ولا حظ للنفس، ومن ثم قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: لا تغضب، فلا زال يكرر طلب الوصية، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيده على قوله: لا تغضب، إعلاما له بأنه إذا وُقِّي شر الغضب، وُقِّي شر خبائث النفس وشهواتها، ومَن وُقِّي ذلك حاز جميع معالم الخير وآدابه، وأمَّا الثاني فلأنّ حبّ
(1) الحديث بتمامه: حدثنا عبد الرحيم بن واقد ثنا بشير بن زاذان القرشي ثنا عمر بن صبح عن بعض أصحابه قال عبد الرحيم قال لي رجل من أهل العلم سمعته من بشير بن زاذان عن ركين عن مكحول عن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابو بكر أرق أمتي وأرحمها وعمر بن الخطاب أخير أمتي وأعدله وعثمان بن عفان أحيى أمتي وأكرمها وعلي بن أبي طالب ألب أمتي وأشجعها وعبد الله بن مسعود أبر أمتي وأيمنها وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها وأبو الدرداء أعدل أمتي وأتقاها ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها. انظر بغية الحارث 1/ 291 / المكتبة الشاملة.