، وفرِّغْ له ذهنك؛ لتسلم من السفاف، وترشد وتغنم، والله سبحانه بحقائق خلقه أعلم.
ومنها وهو من غرر فضائله وأظهرها الحديث الذي رواة الترمذي، وقال: إنه حديث حسن، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية، فقال: اللهم اجعله هاديا مهديا، فتأمل هذا الدعاء من / الصادق المصدوق، 10 ب وأنّ أدعيته لأمته، لا سيما أصحابه مقبولة، غير مردودة، تعلم أنّ الله سبحانه استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء لمعاوية، فجعله هاديا للناس، مهديا في نفسه، ومَن جمع الله له بين هاتين المرتبتين كيف يُتخيل فيه ما تقوّله عليه المبطلون، ووصمه به المعاندون، معاذ الله، لا يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء الجامع لمعالي الدنيا والآخرة، المانع لكل نقص، نسبته إليه الطائفة المارقة الفاجرة إلاّ لمن علِم صلى الله عليه وسلم أنه أهل لذلك، حقيق بما هنالك.
فإن قلت: هذان اللفظان، أعني هاديا مهديا، مترادفان، أو متلازمان، فلمَ جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، قلت: ليس بينهما ترادف، ولا تلازم؛ لأنَّ الإنسان قد يكون مهتديا في نفسه، ولا يهتدي غيره به، وهذه طريق مَنْ آثر من العارفين السياحة والخلوة، وقد يهدي غيره، ولا يكون مهتديا، وهي طريقة كثير من القُصَّاص، الذين أصلحوا ما بينهم وبين الناس، وأفسدوا ما بينهم وبين الله، وقد شاهدتُ من هؤلاء جماعة، لم يبال الله بهم في أي وادٍ هلكوا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إنّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، فلأجل هذا طلب صلى الله عليه وسلم لمعاوية حيازة هاتين الرتبتين / الجليلتين؛ حتى يكون مهديا في نفسه، هاديا للناس، ودالًا لهم 11 أ على معالي الأخلاق والأعمال.
ومنها ما جاء بسند ليس فيه علة، إلاّ اختلاط حصل لبعض رواته، أنّ عوف بن مالك كان قائلا نائما بمسجد بأريحاء [1] ، فانتبهَ فإذا أسدٌ يمشي إليه،
(1) حاء بالمدينة، وهو الذي ينسب إليه بئر حاء، وروى مالك عن إسحاق بن عبد الله أبي طلحة، أنه سمع انس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري مالا من نخل، وكان أحب امواله إليه بئر حاء، وكانت مستقبله المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلما أنزلت هذه الآيه (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، قا م أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ، وإن أحب أموالي إلي بئر حاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك مال رابح، وذكر باقي الحديث. وبعض الرواة يرويه بيرحا، جعله أسما واحدا، والصحيح ما قدمته. ورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: إن اموالي إلي أريحاء. خرجه عنه أبو داود وغيره، والمعروف أنّ أريحاء بالشام، وهذه بالمدينة مستقبلة المسجد، كما ورد في الحديث. معجم ما استعجم 1/ 118 المكتبة الشاملة.