القضاء، هجره ابن المبارك، وقطع نفقته، فأتى إليه ابن علية معتذرا، فلم يعبأ به، ولم يرفع إليه رأسه، بعدما كان يبالغ في تعظيمه؛ لأجل شؤم القضاء، وشؤم عاقبته، ثم كتب إليه ابن المبارك [1] :
يا جاعلَ العلم له بازيا ... يصطاد أموالَ السلاطين
احتلتَ للدنيا ولذاتها ... بحيلةٍ تذهبُ بالدينِ
فصرتَ مجنونًا بها بعدما ... كُنتَ دواءً للمجانين
أينَ رواياتك في سردها ... لترك أبواب السلاطين
أينَ رواياتك فيما مضى ... عن ابن عون وابن سيرين
أينَ أحاديثك والقولُ في ... لزومِ أبواب السلاطينِ
إنْ قلتَ أُكرِهْتُ فذا باطل ... زَلّ حِمارُ العلْم في الطِّين
فلما وقف ابن علية على هذه الأبيات أثّرت فيه، واشتد ندمه أنْ تولّى القضاء، ثم ذهب للرشيد / وبالغ في طلب الاستعفاء منه؛ حتى أعفاه، وأنقذه الله 10 أ من بلائه، وعافاه، فحينئذ عاد ابن المبارك إلى تعظيمه، وأجرى عليه النفقة، وفي إحياء علوم الدين لحجة الإسلام في كتاب آداب السفر، قال رجل لابن المبارك: احمل لي هذه الرقعة إلى فلان، فقال: حتى أستأمر الجمَّال، فإني لم أشارطه على هذه الرقعة، قال الغزالي: فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء: إنّ هذا مما يتسامح به، ولكن سلك طريق الورع، أ. هـ.
وإنما سقت ذلك هنا؛ لتعلم أيها الموفق إلى الحق ـ إن شاء الله ـ أنّ مَن وصل ورعه إلى هذه الغاية، ومشاحته لأصحابه على مثل توليته القضاء، الذي هو أفضل الوظائف الدينية بعد الخلافة إلى تلك النهاية، فكيف يستجيز أنْ يقول في معاوية، وعمر بن عبد العزيز ما قال من غير دليل، وكيف يقدم على هذا التفضيل! فلولا أنّ الدلالة على ذلك ألجأته إلى هذه المقالة، لما تفوه بها، ولولا أنه رأى أنّ ذلك من آكد الواجبات عليه، لما خاض غمرة هذا الخطر؛ فتيقظْ لذلك
(1) أورد هذه الأبيات مع اختلاف يسير كل من: ابن الشجري في الأمالي الشجرية، وابن الجراح في الورقة، وابن حيان البستي في روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، والراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء. الموسوعة الشعرية.