الصفحة 18 من 105

الخواص، فاحتمال كون تقصيره له صلى الله عليه وسلم في هذه العمرة بعيد، فلم ينظروا إليه كما هو شأن الاحتمالات البعيدة في الوقائع الفعلية والقولية، فإن قلت كونه أسلم، وكتم إسلامه، ولم يهاجر للنبي صلى الله عليه وسلم نقص، وأي نقص، قلت: ليس الأمر كذلك بإطلاقه، كيف وقد وقع ذلك للعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على القول الذي رجّحه بعضهم، أنه أسلم ببدر، وكتم إسلامه إلى فتح مكة، بل هذا أولى؛ لأن مدة كتمه إسلامه نحو ست سنين، ومعاوية إنما كتمه نحو سنة، ولم يعُدَّ أحدٌ ذلك نقصا في العباس؛ لأنه كان لعذر، فكذلك ما وقع لمعاوية على ذلك القول كان لعذر، والعمرة إنما تجب، وتتعين حيث لا عذر، ومنه الجهل بوجوبها ممن يُعذر فيه، وقد جاء في رواية أنّ أمه قالت له: إنْ هاجرت قطعنا عنك النفقة، وهذا عذر ظاهر، لا يقال يَرُدُّ ما حكاه الواقدي، أنه أسلم قبل الفتح / ما ثبت في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: 6 ب العمرة في أشهر الحج فعلناها، وهذا أي معاوية يومئذ كافر؛ لأنَّا نقول: ممنوع ذلك، بل لا ردّ فيه؛ لأنَّ الغرض أنه كتم إسلامه، وسعد ممن لم يعلم به، فاستصحب حاله إلى يومئذ، وقضى عليه بالكفر فيه باعتبار الظاهر، وبالنسبة إلى علمه، أمَّا إسلامه يوم فتح مكة فلا خلاف فيه، كإسلام أمه وأبيه وأخيه يزيد يومئذ، فإن قلت: ذكر بعض الأئمة في ترجمته أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنينًا، وأعطاه من غنائم هوازن مائة بعير، وأربعين أوقية من الذهب، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ثم حسُن إسلامها، وهذا يمنع سبق إسلامه على يوم الفتح، إذ لو سبق إسلامه جميع أهله، لم يكن كأبيه في عدّه من المؤلفة، قلت: لا يمنعه بوجه، أمَّا أولًا فمن عدّه من المؤلفة، إنما جرى على أنّ إسلامه لم يكن إلاّ يوم الفتح، نظير ما وقع لسعد فيما مر عنه آنفا، ويدل لذلك أنّ مَن ترجمه بذلك قرنه في ذلك بأبيه، وأبوه لم يُسلم إلاّ يوم الفتح اتِّفاقا، أمَّا مَن يقول بتقديم إسلام معاوية قبل الفتح بنحو سنة، وأنّه إنما امتنع من الهجرة للعذر، كما مر، فلا يعده من المؤلفة، ومجرد الإعطاء لا يدل على التأليف، ألا ترى أنّ العباس رضي الله عنه كتم إسلامه، ثم أظهره يوم الفتح كما مرّ، ثم أعطاه النبي صلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت