على ما حكاه الواقدي: بعد الحديبية، وقال غيره: بل يوم الحديبية، وكتم إسلامه عن أبيه وأمه، حتى أظهره يوم الفتح، فهو في عمرة القضية [1] المتأخرة عن الحديبية، الواقعة سنة سبع قبل فتح مكة بسنة، كان مسلما، ويؤيده ما أخرجه أحمد من طريق محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهم، أنّ معاوية قال: قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة، وأصل الحديث في البخاري من طريق طاووس عن ابن عباس بلفظ قصَّرت بمشقص [2] ، ولم يذكر المروة في كل من الروايتين، كذا، خلافا لمن حصر في الأولى الدلالة على أنه كان في عمرة القضية مسلما، أما الأولى فواضح؛ لأنه ذكر أنّ ذلك عند المروة، وهذا يعين أن ذلك التقصير كان في العمرة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حلق بمنى إجماعا، وأمَّا الثانية؛ فلإنه صلى الله عليه وسلم لم يقصر في حجة الوداع أصلًا، لا بمكة، ولا بمنى، فتعيّن أنّ ذلك التقصير إنما كان في العمرة، فإن قلت: يحتمل أنّ ذلك التقصير كان في عمرته من الجعرانة [3] بعد فتح مكة، وهزيمة حنين وسبيهم، والمجيئ بهم وبأموالهم إلى الجعرانة في آخر سنة ثمان، فلا يكون فيه شاهد لما ذكرته، قلت: عمرة الجعرانة إنما فعلها صلى الله عليه وسلم ليلا سرا عن أكثر الصحابة، ولذا أنكرها بعضهم / وذلك أنه بعد صلاة 6 أ العشاء بأصحابه في الجعرانة، دخل على أهله، فلمَّا تفرق الناس لمضاجعهم، خرج صلى الله عليه وسلم مُحرما بالعمرة في نفر قليل إلى مكة، فقضى نسكه، ثم رجع إلى أهله سرا أيضا، ثم عند صلاة الصبح خرج من عند أهله كبائت عندهم، فلم يعلم بتلك العمرة إلاّ بعض خواصّه صلى الله عليه وسلم، ومعاوية إذ ذاك لم يكن من أولئك
(1) تذكرها كتب السيرة باسم عمرة القضاء.
(2) جاء في صحيخ البخاري 6/ 213/ المكتبة الشاملة:
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ
(3) الجعرانة: بكسر أوله إجماعًا ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءَه وأهل الإتقان والأدب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء، وقد حُكي عن الشافعي أنه قال المحدثون يخطئون في تشديد الجعرانة وتخفيف الحدَيبية، وهما روايتان جيدتان. حكى إسماعيل بن القاضي عن علي بن المديني أنه قال أهل المدينة يثقلونه وينقلون الحديبية وأهل العراق يخففونهما ومذهب الشافعي تخفيف الجعرانة وسمع من العرب من قد يثقلها وبالتخفيف قيدها الخطابي، وهي ماءَ بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب نزلها النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم هَوَازن مرجعه من غزاة حُنين وأحرم منه صلى الله عليه وسلم وله فيه مسجد، وأما في الشعر فلم تسمع إلا مخففة. معجم البلدان 1/ 499/ المكتبة الشاملة.