الصفحة 19 من 105

عليه وسلم ما طاق حمله / من النقد الذي جاءه من البحرين، فكما أنّ هذا لا يدل 7 أ على أنّ العباس من المؤلفة قلوبهم، فكذلك إعطاء معاوية شيئا له بخصوصه، إنّ فرض صحة وروده لا يدل على أنه كان من المؤلفة قلوبهم، أمَّا أولا فلما مرّ مما يدل على قوة إسلامه، وأمَّا ثانيا فالظاهر لكل فرض قوة إسلامه، وأنه إنما أعطاه زيادة في تأليف أبيه؛ لكونه من أكابر مكة وأشرافهم، ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فميزه صلى الله عليه وسلم بذلك دون غيره في تألّفه، والإعلان بشرفه وفخره؛ لأنه كان يجب الفخر في قومه، وأمَّا أبوه فالظاهرأنه كان منهم، ثم حسن إسلامه، وتزايد صلاحه، حتى صار من أكابر الصادقين، وأفاضل المؤمنين، وإنما يُذمّ بالتأليف مَن بقي بوصفه، ولم يرتق عن كونه ممن يعبد الله على حرف، وحاشا أبا سفيان من ذلك، كما شهدت بذلك آثاره الصالحة في الحروب والممالك، ومما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم علم قوة إسلامه، ومزيد استسلامه خضوعه لأوامره صلى الله عليه وسلم وأحكامه، فقضى عليه بما لا يلائم ما جُبل عليه قبل ذلك من الشح، حتى على زوجته وولده معاوية بطعامه، ألا ترى أنه لمَّا أسلم هو وزوجته هند، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم تشكوه، فقالت: يا رسول الله! إنّ أبا سفيان رجل شحيح، فإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي / أي معاوية، فقال لها صلى الله عليه وسلم: خذي من ماله 7 ب ما يكفيكِ وولدك بالمعروف، فقضى عليه في غيبته بذلك لعلمه برضاه به، واستسلامه له، وإنْ كان فيه غاية المشقة على نفسه، باعتبار ما جُبل عليه من الشّح، وعلى قوة إسلامها، أنّ من جملة الحامل لها عليه أنّ مكة لمَّا فُتحت دخلت المسجد الحرام ليلا، فرأت الصحابة قد ملؤوه، وأنهم على غاية من الاجتهاد في الصلاة، وقراءة القرآن، والطواف، والذكر، وغير ذلك من العبادات، فقالت: والله ما رأيت الله عُبِد حقّ عبادته في هذا المسجد قبل هذه الليلة، والله إن باتوا إلاّ مصلين قياما وركوعا وسجودا، فاطمأنت إلى الإسلام؛ لكنها خشيت إن جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يوبخها على ما فعلته في المثلة القبيحة بعمه حمزة رضي الله عنه، فجاءت إليه مع رجل من قومها؛ لتبايعه، فوجدت عنده من الرحب والسعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت