شيء من أمر عثمان، رضي الله عنه، ثم أغلظ ابنه عبد الله لعلي، فقال: ألا تسمع ما يقول؟ فغضب الزبير، وضرب ابنه حتى رجع، وجاء بسند رجاله ثقات أنّ رجالا من أهل البصرة جاءوا عتبة بن عُمير يسألونه عن علي وعثمان، فقال لهم: ما أقدمكم غير هذا، فقالوا: نعم، قال: [تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ] [1] الآية، وبسند رجاله رجال الصحيح إلاّ واحدا اختُلف فيه أنّ الزبير قال في قوله تعالى: [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] [2] كنا نتحدث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم نحسب أنا أهلها، حتى نزلت فينا، وفي خبر سنده صحيح، أنه صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت ما تلقى أُمّتي بعدي، وسفكُ بعضهم دم بعض، وسبق ذلك من الله عزّ وجل، كما سبق في الأمم قبلهم، فسألته أن يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل، وفي خبر رواته ثقات: عذاب أمتي في دنياها، أي أنّ ما يقع لهم من الفتن والمحن يكون سببا لتكفير ذنوب المعذورين منهم، وصحّ خبر: جعل الله عقوبة هذه الأمة في دنياهم، وفي خبر رواته ثقات إلاّ / واحدا، وثقه ابن حبان: أمتي أمة مرحومة، قد رفع عنهم العذاب، أي: 4 ب فلا يُستأصلون بعذاب ينزل عليهم إلاّ عذابهم أنفسهم بأيدهم، أي بقتال بعضهم لبعض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كما صحّ عنه مِن طُرق، سأل ربه أن لا يجعل بأسهم بينهم، فلم يجبه لذلك، وفي خبر ضعيف: إنّ عقوبة هذه الأمة بالسيف، وموعدهم الساعة، والساعة أدهى وأمرّ.
والحاصل أنّ ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من القتال، مقصور على الدنيا فقط، وأمَّا في الآخرة فكلهم مجتهدون مثابون، وإنما التفاوت بينهم في الثواب، إذ مَن اجتهد وأصاب كعلي كرم الله وجهه وأتباعه، له أجران، بل عشرة أجور، كما في رواية، ومَن اجتهد وأخطأ كمعاوية رضي الله عنه، له أجر وأحد، فهم كلهم ساعون في رضى الله وطاعته، بحسب ظنونهم، واجتهاداتهم الناشئة عن سعة علومهم التي منحوها من نبيهم ومشرفهم صلى الله
(1) البقرة 134، 141، والآية بتمامها: [تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ]
(2) الأنفال 25