الصفحة 12 من 48

ونسي هؤلاء أن هذه من الوقائع التاريخية إذ أن كِلا الأمرين كان صالحًا في وقته فاستخلاف أبي بكر لعمر رضى الله عنهما جاء بسبب الظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية عند تولي أبي بكر رضي الله عنه الخلافة، وما تبع ذلك من حروب الردة التي كادت تؤدي بالدولة و بالنظام السياسي فيها، بينما جاء فعل عمر رضى الله عنه موافقًا للمرحلة التاريخية التي كان المسلمون يعيشونها عبر استقرار الدولة واتساعها وتعدد مصادر المشاركة فيها.

ولذا فإن الوقوف عند هذه الوقائع التاريخية أو غيرها وعدم الاجتهاد جعل الفقه السياسي يجمد عند تلك الوقائع التاريخية أو غيرها، ولم يبدأ تحركه إلا مع المواجهة التي شهدها بعد سقوط الخلافة العثمانية.

لذلك فليس من المناسب أن نعيد الوقائع التاريخية أو أن نجعلها قياسًا ثابتًا أو حتى حكمًا شرعيًا لا يمكن مخالفته، وفي هذا إجابة لكثير من التساؤلات مثل هل في الإسلام انتخابات، وما شكلها، وما شروط الناخب والمنتخب، ومدة المجلس وفترة رئاسة الحاكم، وغيرها من التساؤلات التي لن نجد لها إجابة تفصيلية في الفقه السياسي الإسلامي.

وهنا تبرز أهمية الاجتهاد في الفقه السياسي الإسلامي، ولعل الاجتهاد في هذا الباب من الأوليات المعاصرة في حياة المسلمين، حتى يتم ملء الفراغ (الفقهي) الذي مروا به خلال العصور المتأخرة إذ أن الفقه السياسي الإسلامي، ليس قائمًا على الأدلة القطعية ـ كما بينا ـ بل هو متردد بين النفي والإثبات كما يقول الإمام الشاطبي رحمه الله"مجال الاجتهاد المعتبر هو ما تردد بين طرفين وضح في كل منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما، والنفي في الآخر، فلم تنصرف آليته ـ إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات". (17)

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله (المجتَهَد فيه: كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع، وفيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليس ذلك محل اجتهاد".(18) "

بل إن عالمًا كشيخ الإسلام ابن تيمية جعل الاجتهاد جزء مما اشتمل علم الشرع فيقول:

"لفظ الشرع في هذه الأزمنة ثلاثة أقسام:"

-أحدهما الشرع المنزل، وهو الكتاب والسنة، واتباعه واجب من خرج عنه وجب قتله، ويدخل فيه أصول الدين وفروعه، وسياسة الأمراء وولاة المال، وحكم الحكام، ومشيخة الشيوخ، وغير ذلك فليس لأحد من الأولين، والآخرين خروج عن طاعة الله ورسوله.

-والثاني الشرع المؤل وهو موارد النزاع والاجتهاد بين الأمة، فمن أخذ فيما يسوغ فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت