الصفحة 5 من 53

أنبتت الأرض للأنعام وهذا لفظ حديث أبي كريب وقال أبو السائب في حديثه ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام وقال العوفي عن ابن عباس: الأب الكلأ والمرعي وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد وغير واحد وقال أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا محمد بن زيد حدثنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى"وفاكهة وأبا"فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق رضي الله عنه. فأما ما رواه ابن جرير عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه"عبس وتولى"فلما أتي على هذه الآية"وفاكهة وأبا"قال قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف: فهو إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله"فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا".

متاعًا لكم ولأنعامكم: أي عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.

قال تعالى (( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ) [1]

وقوله"صنوان وغير صنوان"الصنوان هو الأصول المجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو لك وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه كما جاء في الصحيح

(( يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل ) )أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها فهذا في غاية الحلاوة وهذا في غاية الحموضة وذا في غاية المرارة وذا عفص وهذا عذب وهذا جمع وهذا وهذا ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى وهذا أصفر وهذا أحمر وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء مع هذا الاختلاف الكير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيا وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد ولهذا قال تعالى"إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".

قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إن في مخالفة الله عز وجل بين هذا القطع من الأرض المتجاورات وثمار جناتها وزروعها على ما وصفنا وبينا لدليلا واضحا وعبرة لقوم يعقلون اختلاف ذلك, أن الذي خالف بينه على هذا النحو الذي خالف بينه, هو المخالف بين خلقه فيما قسم لهم من هداية وضلال وتوفيق وخذلان, فوفق هذا وخذل هذا, وهدى ذا وأضل ذا, ولو شاء لسوى بين جميعهم, كما لو شاء سوى بين جميع أكل ثمار الجنة التي تشرب شربا واحدا, وتسقى سقيا واحد, وهي متفاضلة في الأكل.

والآيات في هذا السياق كثيرة

(1) الرعد 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت