(لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا) أَيْ كَامِلًا بَلْ مُكَمِّلًا , أَوْ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ مُصَاحَبَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ; لأَنَّ مُصَاحَبَتَهُمْ مَضَرَّةٌ فِي الدِّينِ , فَالْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ جِنْسِ الْمُؤْمِنِينَ
(وَلا يَأْكُلْ طَعَامَك إِلا تَقِيٌّ) أَيْ مُتَوَرِّعٌ يَصْرِفُ قُوَّةَ الطَّعَامِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَالنَّهْيُ وَإِنْ نُسِبَ إِلَى التَّقِيِّ فَفِي الْحَقِيقَةِ مُسْنَدٌ إِلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ , فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ: لا أَرَيَنَّك هَاهُنَا. فَالْمَعْنَى لا تُطْعِمْ طَعَامَك إِلا تَقِيًّا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي طَعَامِ الدَّعْوَةِ دُونَ طَعَامِ الْحَاجَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَسْرَاهُمْ كَانُوا كُفَّارًا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا حَذَّرَ مِنْ صُحْبَةِ مَنْ لَيْسَ بِتَقِيٍّ , وَزَجَرَ عَنْ مُخَالَطَتِهِ وَمُؤَاكَلَتِهِ لأَنَّ الْمَطَاعِمَ تُوقِعُ الأُلْفَةَ , وَالْمَوَدَّةَ فِي الْقُلُوبِ. [1]
عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَليُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلاجَهُ ) ) [2]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا صَنَعَ لأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ قَالَ دَاوُدُ يَعْنِي لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ ) ) [3]
قال النووي: أَمَّا الأُكْلَة فَبِضَمِّ الْهَمْزَة وَهِيَ اللُّقْمَة , كَمَا فَسَّرَهُ , وَأَمَّا الْمَشْفُوه فَهُوَ الْقَلِيل ; لأَنَّ الشِّفَاه كَثُرَتْ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ قَلِيلًا. وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الْحَثّ عَلَى مَكَارِم الأَخْلاق , وَالْمُوَاسَاة فِي الطَّعَام , لا سِيَّمَا فِي حَقِّ مَنْ صَنَعَهُ أَوْ حَمَلَهُ لأَنَّهُ وَلِيَ حَرّه وَدُخَانه , وَتَعَلَّقَتْ بِهِ نَفْسه , وَشَمَّ رَائِحَته , وَهَذَا كُلّه مَحْمُول عَلَى الاسْتِحْبَاب. [4]
عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: (( لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ) ) [5]
(1) تحفة الأحوذي
(2) رواه البخاري في العتق باب إذا جاء خادمه (2557) .
(3) رواه مسلم في الأيمان باب إطعام المملوك (3142) ، وأبو داود في الأطعمة (3348) ، وأحمد (7401) .
(4) شرح مسلم.
(5) رواه البخاري في الإيمان باب المعاصي من أمر الجاهلية (30) ، ومسلم في الإيمان (3140) ، والترمذي في البر والصلة (1868) ، وأبو داود في الأدب (4491) ، وابن ماجه في الأدب (3680) ، وأحمد (20440) .