الثِّمَار فَمَنَعَهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ,أَخْذًا بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر , وَجَوَّزَهُ فِي الأُخْرَى أَخْذًا بِحَدِيثِ سَمُرَة. وَمَنْ رَجَّحَ الْمَنْع قَالَ: حَدِيث اِبْن عُمَر أَصَحّ. فَإِنَّ حَدِيث سَمُرَة مِنْ رِوَايَة الْحَسَن عَنْهُ , وَهُوَ مُخْتَلَف فِي سَمَاعه مِنْهُ. وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عُمَر: فَمِنْ رِوَايَة اللَّيْث وَغَيْره عَنْ نَافِع عَنْهُ. وَلا رَيْب فِي صِحَّته.
قَالُوا: وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الثَّمَرَة. أَنَّ اللَّبَن مَخْزُون فِي الضَّرْع , كَخَزْنِ الأَمْوَال فِي خِزَانَتهَا وَلِهَذَا شَبَّهَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ , وَأَخْبَرَ أَنَّ اِسْتِخْرَاجهَا مِنْ الضُّرُوع كَاسْتِخْرَاجِ الأَمْوَال مِنْ الْخَزَائِن بِكَسْرِهَا. وَهَذَا بِخِلافِ الثَّمَرَة , فَإِنَّهَا ظَاهِرَة بَادِيَة فِي الشَّجَرَة غَيْر مَخْزُونَة. فَإِذَا صَارَتْ إِلَى الْخِزَانَة حَرُمَ الأَكْل مِنْهَا إِلا بِإِذْنِ الْمَالِك.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَالشَّهْوَة تَشْتَدّ إِلَى الثِّمَار عِنْد طِيبهَا. لِأَنَّ الْعُيُون تَرَاهَا , وَالنُّفُوس شَدِيدَة الْمَيْل إِلَيْهَا. وَلِهَذَا جَوَّزَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا الْمُزَابَنَة فِي خَمْسَة أَوْسُق أَوْ دُونهَا فِي الْعَرَايَا لَمَّا شَكَوْا إِلَيْهِ شَهْوَتهمْ إِلَيْهَا , وَأَنَّهُ لا ثَمَن بِأَيْدِيهِمْ , بِخِلافِ اللَّبَن فَإِنَّهُ لا يُرَى وَلا تَشْتَدّ الشَّهْوَة إِلَيْهِ , كَاشْتِدَادِهَا إِلَى الثِّمَار.
قَالُوا: وَأَيْضًا , فَالثِّمَار لا صُنْع فِيهَا لِلآدَمِيِّ بِحَالٍ , بَلْ هِيَ خَلْق اللَّه سُبْحَانه , لَمْ تَتَوَلَّد مِنْ كَسْب آدَمِيّ وَلا فِعْله , بِخِلافِ اللَّبَن فَإِنَّهُ يَتَوَلَّد مِنْ عَيْن مَال الْمَالِك , وَهُوَ الْعَلَف. وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَة , فَلا بُدّ مِنْ قِيَامه عَلَيْهَا وَرَعْيه إِيَّاهَا , وَلا بُدّ مِنْ إِعَالَته لَهَا كُلّ وَقْت. وَهَذَا - وَإِنْ كَانَ فِي الثِّمَار - إِلا أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَاشِيَة قَلِيل جِدًّا فَإِنَّهُ لا يَحْتَاج أَنْ يَقُوم عَلَى الشَّجَر كُلّ يَوْم , فَمُؤْنَتهَا أَقَلّ مِنْ مُؤْنَة الْمَاشِيَة بِكَثِيرٍ. فَهِيَ بِالْمُبَاحَاتِ أَشْبَه مِنْ أَلْبَان الْمَوَاشِي , إِلا إِنَّ اِخْتِصَاص أَرْبَابهَا بِأَرْضِهَا وَشَجَرهَا أَخْرَجَهَا عَنْ حُكْم الْمُبَاحَات الْمُشْتَرَكَة الَّتِي يَسُوغ أَكْلهَا وَنَقْلهَا , فَعُمِلَ الشَّبَه فِي الأَكْل الَّذِي لا يُجْحِف الْمَالِك دُون النَّقْل الْمُضِرّ لَهُ.
فَهَذِهِ الْفُرُوق - إِنْ صَحَّتْ - بَطَلَ إِلْحَاق الثِّمَار بِهَا فِي الْمَنْع. وَكَانَ الْمَصِير إِلَى حَدِيث الْمَنْع فِي اللَّبَن أَوْلَى , وَإِنْ كَانَتْ غَيْر مُؤَثِّرَة , وَلا فَرْق بَيْن الْبَابَيْنِ , كَانَتْ الإِبَاحَة شَامِلَة لَهُمَا.
وَحِينَئِذٍ فَيَكُون حَدِيث النَّهْي مُتَنَاوِلًا لِلْمُحْتَلِبِ غَيْر الشَّارِب. بَلْ مُحْتَلِبه كَالْمُتَّخِذِ خُبْنَة مِنْ الثِّمَار. وَحَدِيث الإِبَاحَة مُتَنَاوِل لِلْمُحْتَلِبِ الشَّارِب فَقَطْ , دُون غَيْره.
وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التَّفْرِيق قَوْله فِي حَدِيث سَمُرَة:"فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلا يَحْمِل"فَلَوْ اِحْتَلَبَ لِلْحَمْلِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ. فَهَذَا هُوَ الاحْتِلَاب الْمَنْهِيّ عَنْهُ فِي حَدِيث اِبْن عُمَر. وَاَللَّه أَعْلَم.
وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا: أَنَّ فِي حَدِيث الْمَنْع مَا يُشْعِر بِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ نَقْل اللَّبَن , دُون شُرْبه. فَإِنَّهُ قَالَ:"أَيُحِبُّ أَحَدكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَته فَيُكْسَر بَاب خَزَائِنه فَيُنْتَثَل طَعَامه؟". وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز: حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ التَّمْر الْمُعَلَّق؟ فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَة غَيْر مُتَّخِذ خُبْنَة , فَلا شَيْء عَلَيْهِ". وَالْحَدِيث حَسَن , أَخْرَجَهُ أَهْل السُّنَن.
فَإِنْ قِيلَ. فَهَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز أَكْل الْمُحْتَاج , وَنَحْنُ نَقُول: لَهُ أَنْ يَأْكُل عِنْد الضَّرُورَة وَعَلَيْهِ الْقِيمَة , وَقَوْله."لا شَيْء عَلَيْهِ"هُوَ نَفْي لِلْعُقُوبَةِ لا لِلْغُرْمِ. فَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا الْحَدِيث رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا:"وَإِنْ أَكَلَ بِفِيهِ , وَلَمْ يَأْخُذ فَيَتَّخِذ خُبْنَة , فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء". وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الأَكْل لا شَيْء عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا يَجِب الضَّمَان عَلَى مَنْ اِتَّخَذَ خُبْنَة. وَلِهَذَا جَعَلَهُمَا قِسْمَيْنِ.
وَاللَّفْظ الثَّانِي قَوْله:"وَمَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَة غَيْر مُتَّخِذ خُبْنَة فَلا شَيْء عَلَيْهِ , وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَة مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَة". وَهَذَا صَرِيح فِي أَنَّ الأَكْل مِنْهُ لِحَاجَةٍ لا شَيْء عَلَيْهِ , وَأَنَّ الضَّمَان إِنَّمَا يَجِب عَلَى الْمُخْرِج مِنْهُ غَيْر مَا أَكَلَهُ