وَالْجُمْهُور: لا تَجِب الإِجَابَة إِلَيْهَا. وَقَالَ أَهْل الظَّاهِر: تَجِب الإِجَابَة إِلَى كُلّ دَعْوَة مِنْ عُرْس وَغَيْره , وَبِهِ قَالَ بَعْض السَّلَف.
وَأَمَّا الأَعْذَار الَّتِي يَسْقُط بِهَا وُجُوب إِجَابَة الدَّعْوَة أَوْ نَدْبهَا فَمِنْهَا أَنْ يَكُون فِي الطَّعَام شُبْهَة , أَوْ يَخُصّ بِهَا الأَغْنِيَاء , أَوْ يَكُون هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ , أَوْ لا تَلِيق بِهِ مُجَالَسَته , أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفِ شَرّه , أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهه , أَوْ لِيُعَاوِنهُ عَلَى بَاطِل , وَأَنْ لا يَكُون هُنَاكَ مُنْكَر مِنْ خَمْر أَوْ لَهْو أَوْ فُرُش حَرِير أَوْ صُوَر حَيَوَان غَيْر مَفْرُوشَة أَوْ آنِيَة ذَهَب أَوْ فِضَّة. فَكُلّ هَذِهِ أَعْذَار فِي تَرْك الإِجَابَة وَمِنْ الأَعْذَار أَنْ يَعْتَذِر إِلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكهُ. وَلَوْ دَعَاهُ ذِمِّيّ لَمْ تَجِب إِجَابَته عَلَى الأَصَحّ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَة ثَلاثَة أَيَّام فَالأَوَّل تَجِب الإِجَابَة فِيهِ , وَالثَّانِي تُسْتَحَبّ , وَالثَّالِث تُكْرَه. [1]
ومن صور ترك الإجابة ما جاء في هذا الحديث: عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (( صَنَعْتُ طَعَامًا فَدَعَوْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ فَدَخَلَ فَرَأَى سِتْرًا فِيهِ تَصَاوِيرُ فَخَرَجَ وَقَالَ إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ ) ) [2]
عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ ) ) [3]
قال النووي: (إِلَى وَلِيمَة عُرْس فَلْيُجِبْ) قَدْ يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَخُصّ وُجُوب الإِجَابَة بِوَلِيمَةِ الْعُرْس , وَيَتَعَلَّق الآخَرُونَ بِالرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَة. [4]
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ ) ) [5]
عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ )) [6]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ) ) [7]
قال النووي: اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى (فَلْيُصَلِّ) قَالَ الْجُمْهُور: مَعْنَاهُ فَلْيَدْعُ لأَهْلِ الطَّعَام بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَة وَنَحْو ذَلِكَ , وَأَصْل الصَّلاة فِي اللُّغَة الدُّعَاء , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} وَقِيلَ: الْمُرَاد الصَّلاة الشَّرْعِيَّة بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُود , أَيْ يَشْتَغِل بِالصَّلاةِ لِيَحْصُل لَهُ فَضْلهَا , وَلِتَبَرُّكِ أَهْل الْمَكَان وَالْحَاضِرِينَ.
وَأَمَّا الْمُفْطِر فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة أَمَرَهُ بِالأَكْلِ , وَفِي الأُولَى مُخَيَّر وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ , وَالأَصَحّ فِي مَذْهَبنَا أَنَّهُ لا يَجِب الأَكْل فِي وَلِيمَة الْعُرْس وَلا فِي غَيْرهَا , فَمَنْ أَوْجَبَهُ اِعْتَمَدَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة , وَتَأَوَّلَ الأُولَى عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا. وَمَنْ لَمْ يُوجِبهُ
(1) شرح مسلم.
(2) رواه النسائي في الزينة باب التصاوير (5256) وصححه الألباني، وأبو داود في اللباس (3622) ، وابن ماجه في اللباس (3640) ، وأحمد (1205) والدارمي في الاستئذان (2548) .
(3) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الدعوة (2576) .
(4) شرح مسلم.
(5) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الدعوة (2579) .
(6) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الدعوة (2583) وغيره.
(7) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الدعوة (2584) ، والترمذي في الصوم (711) ، وأبو داود في الصوم (2104) ، وأحمد (7422) .