(ترويح النفس وإيناسها [1] ، وغيرها من الحكم والفوائد التي قد يطول المقام في إحصائها وذكرها، وأنّى لنا ذلك.
ولابن القيم ـ رحمه الله ـ تعليق بديع فيقول: وللشهوة حدٌّ، وهو راحة القلب والعقل من كد الطاعة واكتساب الفضائل والاستعانة بقضائها على ذلك. فمتى زادت على ذلك؛ صارت نهمة وشَبقًا والتحق صاحبها بدرجة الحيوانات، ومتى نَقَصَت عنه ولم يكن فراغًا في طلب الكمال والفضل، كانت عجزًا ومهانة. [2]
وإن شئت فقل المحبة لغير الله، وهذا ما يعيشه بعضهم، ويطلق عليه وصف التعلق، فأحيانًا تكون البداية بمحبة في الله وتصبح هي الهدف من تلك العلاقة، فإذا غاب ذلك الهدف، وكثرة اللقاءات وأصبحت هي الغايات وقع الخلل، وبخاصة إذا كان فارق السن كبيرًا، أو وجد عوامل تغذي جانب التعلق: كالمزاح، والخواء الروحي، والتجمل الزائد، وغيرها من الأمور، وقد درج ابن حزم ـ رحمه الله ـ أقسام تلك المحبة على خمس درجات:
أولها: الاستحسان، وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور حسنةٌ، أو يستحسن أخلاقه، وهذا يدخل في باب التصادق.
ثم الإعجاب، وهو رغبة الناظر في المنظور إليه، وفي قربه.
ثم الألفة، وهي الوحشة إليه متى غاب.
ثم الكَلَفُ، وهو غَلَبَةُ شُغْلِ البال به، وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق.
ثم الشغف، وهو امتناع النوم، والأكل، والشرب إلا اليسير من ذلك، وربما أدى ذلك إلى المرض، أو إلى التوسوس، أو إلى الموت، وليس وراء ذلك منزِلَةٌ في تناهي المحبة أصلًا. [3]
وزيادة على ما سبق أسوق لك أخي الكريم بعض الدلائل التي تدل على وجود داء التعلق، فمنها:
1.إيثار بعضهم أنسه بصاحبه ومن تعلق قلبه به على أنسه بالله ـ عزوجل ــ، وأنسه بالخير والهدى.
2.استقلال رغبات الصاحب، بينما استكثاره لداعي الاستجابة لله ـ عزوجل ـ وداعي الخير والهدى.
3.الغضب والغيرة للصاحب أكثر من الغضب والغيرة عند انتهاك حرمات الله ـ عزوجل ـ.
4.غض الطرف عن مساوئ الصاحب ومن القلب به، والنظر إلى حسناته مع إسقاط أخطائه وزلاته، أو مقارنته بمن هو أسوأ خشية التأثير في نفسيته!!
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع
5.دوام المجالسة والممازحة، وبذل المال دون وجود الداعي لذلك.
(1) موسوعة نضرة النعيم، 5/ 1664.
(2) الفوائد ص 207.
(3) الأخلاق والسير، لابن حزم ص 136.