الصفحة 54 من 77

(ثانيها) : قال الداودي وطائفة: (إن المراد بالحديث؛ الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا) [قال الحافظ] : وقد قدمت هذا عن ابن قتيبة وغيره في «باب من اكتوى» ، وهذا اختيار ابن عبد البر، غير أنه معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء.

(ثالثها) : قال الحليمي: (يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعهودة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئًا، والله أعلم) .

(رابعها) : أن المراد بترك الرقى والكي؛ الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه. قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها وهؤلاء هم خواص الأولياء. ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئًا، بخلاف غيره» [1] .

وقال الإمام النووي رحمه الله بعد أن ذكر قول الخطابي: «والظاهر من معنى الحديث: ما اختاره الخطابي ومن وافقه كما تقدم، وحاصله: أن هؤلاء كمل تفويضهم على الله عز وجل ... » [2] .

(1) «فتح الباري» لابن حجر (10/ 211 212 شرح الحديث 5752) .

(2) «شرح النووي على مسلم» (3/ 91 شرح الحديث 374) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت