الصفحة 53 من 77

إن الرقية قد ثبتت مشروعيتها، وأنها من الأسباب التي جعلها الله عز وجل نافعة بإذنه في التداوي والاستشفاء من الأمراض. والأسباب: إما أن تكون شرعية، أي: مقررة في الشرع الحنيف ومنصوصًا عليها، وإما أن تكون حسية مادية مجربة عند أهل الحل والعقد والاختصاص.

وأما التوكل على الله عز وجل عند أهل السنة والجماعة؛ فهو بذل الأسباب المشروعة في جلب المنافع ودفع المضار عن النفس والغير، مع اعتماد القلب في حصول نتائج هذه الأسباب على الله سبحانه وتعالى وحده، إذ هو رب الأسباب وبيده الخير كله، وهو النافع وحده لا إله إلا هو تبارك وتعالى.

بهذا يتبين أنه لا منافاة بين بذل الأسباب والسعي في تحصيلها بما هو مشروع، وبين التوكل على الله تعالى، واعتقاد القلب واطمئنانه إليه جل وعلا في حصول المنافع ودفع المضار. بل إن في بذلها كمال التوكل على الله وامتثال أمره. فقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تأمر ببذل الأسباب والسعي الجاد في تحصيلها.

يقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في شرحه حديث ابن عباس: «تمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة:

(أحدهما) : - قاله الطبري والمازري وطائفة - أنه محمول على من جارى اعتقاد الطبائعيين في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.

وقال غيرهم: الرقى التي يحمد تركها؛ ما كان من كلام الجاهلية ومن الذي لا يعقل معناه؛ لاحتمال أن يكون كفرًا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه.

وتعقبه عياض وغيره؛ بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفًا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها؛ فليس مسلمًا، [قال الحافظ] : فلم يسلم هذا الجواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت