فنقول: إننا نوافقكم على أن هذه الآيات فيها رد على القدرية الذين لايقرون بخلق الله لأفعال العباد، لكن ليس في هذه الآيات أي دلالة على أن العباد ليس لهم قدرة ولا مشيئة كما تزعمون.
-الآيات التي تثبت المشيئة لله تعالى وحده، نقول أن نفس هذه الآيات هي رد على قول الجبرية لأن الله تعالى في هذه الآيات أثبت المشيئة للعباد، فهل ينفي الله شيء لا يُتصور؟ لكن هذه المشيئة مرتبطة بمشيئة الله. فمفهوم الآية:"وما تشاءون إلا أن يشاء الله"أنكم أيها العباد تشاءون إذا شاء الله، فأثبت الله المشيئة للعباد، لاكما تزعمه الجبرية من أن العباد ليس لهم أي مشيئة.
-الآيات التي تدل على أن الله ختم على القلوب، نقول إن المراد بالختم والطبع أن الله تعالى عاقبهم على كفرهم وعنادهم بذلك وليس هو ختمًا أو طبعًا حقيقيًا، فالعبد ابتدأ بإرادته واختياره فأعرض عن الإيمان فعاقبه الله بذلك أن صرفه عنه.
-دليلهم الرابع وهو قول الله تعالى:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، فالرد من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه الآية مخصوصة بواقعة بعينها وهي موقعة بدر لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب ورماها في أوجه الكفار فأصابت تلك القبضة أعينهم. فمعنى الآية: وما أوصلت التراب إلى أعين المشركين برميتك بل الله أوصلها.
الوجه الثاني: أن الله في الآية نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رميًا فقال: إذ رميت، فالرمي المنفي في قوله تعالى وما رميت بمعنى إيصال التراب إلى أعين المشركين، والرمي المثبت في قوله تعالى إذ رميت هو أخذه قبضة من تراب وإلقاؤها على الناس.
والرد على استدلالهم بالآية:"إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كلٌ من عند الله"من وجهين:
الوجه الأول: أن هذه الآية ليس لها علاقة بأفعال العباد أصلًا فإن المعنى المراد بقوله"إن تصبهم حسنة"أي نعمة، وقوله"إن تصبهم سيئة"بمعنى المصيبة وهذا ما عليه الجمهور خلافًا للجبرية الذين فسروا الحسنة بالطاعة والسيئة بالمعصية، ويدل على ذلك قول الله تعالى في الآية الأخرى:"إن تصبك حسنة تسوءهم وإن تصبهم مصيبة".
والوجه الثاني: أن آخر الآية يرد على استدلالهم في قول الله تعالى:"قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك" [1] فنسب الله السيئة إلى العبد نفسه.
(1) النساء 87 - 97.