فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 261

ومع محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يغلون فيه ولا يرفعونه إلى مقام الألوهية بل يقولون كما قال عليه الصلاة والسلام:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله"، فقوله: عبد الله، فيه رد على الغلاة فيه، الذين أعطوه خصائص الألوهية، وقوله: رسوله، فيه رد على الجفاة عنه الذين لم يعملوا بمقتضى رسالته.

ويؤمنون بأنه عليه الصلاة والسلام كان يحذر أمته أشد التحذير من الغلو فيه حتى كان عليه الصلاة والسلام يقول وهو في النزع الأخير:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، متفق عليه. وكان يقول:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"رواه البخاري. ولما جاءه قوم فقالوا: أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا ولبن خيرنا، فخشي عليه الصلاة والسلام أن يستجرهم الشيطان إلى أبعد من ذلك، فقال:"يا أيها الناس، قولوا بقولكم أو ببعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان".

والفرقة الناجية وسط في باب العبادات بين أهل الغلو والتفريط.

فأهل الغلو: يزيدون في العبادة عن الحد المشروع.

والغلو في اللغة: مجاوزة الحد.

وفي الشرع: مجاوزة الحد في الأمر المشروع.

وقد جاءت آيتان في القرآن الكريم فيهما النهي عن الغلو بلفظه الصريح:

-الآية الأولى: قوله تعالى:"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق".

قال ابن كثير: ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا أو باطلا أو ضلالا أو رشادا أو صحيحا أو كذبا ولهذا قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"

"الآية."

-الآية الثانية قوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق".

قال ابن كثير: أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتهم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما (وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والإعتدال إلى طريق الغواية والضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت