فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 260

إذن مناسبة هذه الآية ظاهرة للباب ووجه الاستدلال منها ومعنى البراءة ومعنى النفي والإثبات فيها وفي كلمة التوحيد.

قال (وقوله {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] .) (أَرْبَابًا) جمع رب، والربوبية هنا هي العبادة؛ يعني اتخذوا أحبارهم ورهبانهم معبودين، (مِنْ دُونِ اللَّهِ) ؛ يعني مع الله، وذلك لأنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال، والطاعة من التوحيد، فَرْدٌ من أفراد العبادة أن يطيع في التحليل والتحريم فإذا أطاع غير الله في التحليل والتحريم فإنه قد عبد ذلك الغير، فهذه الآية فيها ذكر أحد أفراد التوحيد, أحد أفراد العبادة وهو الطاعة، وسيأتي إيرادها في باب مستقل -إن شاء الله تعالى- مع بيان ما تشتمل عليه من المعاني.

قال (وقوله {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] ) ، (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) أثبت الله جل وعلا أنهم اتخذوا من دون الله أندادا؛ يعني مع الله أو من دونه أندادا جعلوهم يستحقون شيئا من العبادات، ووصفهم بأنهم (يُحِبُّونَهُمْ) يعني المشركين (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) .

وقوله هنا (كَحُبِّ اللَّهِ) ، المفسرون من السلف فمن بعدهم هنا على قولين:

-منهم من يقول: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) هي كلها في الذين اتخذوا أندادا؛ يعني يحبون أندادهم أندادهم كحبهم لله.

-وقال آخرون: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يعني يحبونهم كحب المؤمنين لله، فالكاف بمعنى مِثْل هنا كقوله {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74] (كَالْحِجَارَةِ) الكاف هنا اسم بمعنى مثل لأنه عطف عليها اسم آخر, قال (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) .

(يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يعني ساووا محبة تلك الآلهة بمحبة الله، فهم يحبون الله حبا عظيما؛ ولكنهم يحبون كذلك تلك الآلهة حبا عظيما، وهذا التساوي هو الشرك, والتسوية هذه هي التي جعلتهم من أهل النار، كما قال جل و علا في سورة الشعراء مخبرا عن قول أهل النار {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:97 - 98] ، ومعلوم أنهم ما سوَّوْا تلك الآلهة برب العالمين في الخَلق والرَّزق و مفردات الربوبية و إنما سووهم برب العالمين في المحبة و العبادة.

فإذن قوله جل و علا (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يعني يحبونهم محبة مثل محبتهم لله، وهذا الوجه أرجح من الوجه الآخر الذي تقديره كحب المؤمنين لله, و الذين آمنوا أشد حبا لله.

وجه الاستدلال للآية و مناسبتها للباب ظاهرة: في أن التشريك في المحبة منافٍ لكلمة التوحيد, مناف للتوحيد من أصله؛ بل حَكَم الله عليهم بأنهم اتخذوا أندادا من دون الله، ووصفهم بأنهم اتخذوا الأنداد في المحبة، والمحبة محركة وهي تبعث على التصرفات.

فإذن هنا فيه ذكر للمحبة. والمحبة نوع من أنواع العبادة ولما لم يفردوا الله بهذه العبادة صاروا متخذين أندادا من دون الله، وهذا معنى التوحيد ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت