وقد استشكل بعض أهل العلم إيراد هذه الآية في هذا الباب، وقال: ما مناسبة هذه الآية لهذا الباب؟ وبما ذكرت لك تتضح المناسبة جليا.
قال جل علا (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) ، وهذه حال خاصة عباد الله أنهم جمعوا بين العبادة وبين الخوف وبين الرجاء, فيرجون رحمته ويخافون عذابه، وهم إنما توجهوا إليه وحده دونما سواه، فأنزلوا الخوف والمحبة والدعاء والرغب والرجاء في الله جل وعلا وحده دونما سواه، وهذا هو تفسير التوحيد.
قال رحمه الله (وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:26 - 27] ) وجه الاستدلال من هذه الآية في قوله (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) هذه الجملة فيها البراءة وفيها الإثبات؛ البراءة مما يعبدون، قال بعض أهل العلم: تبرأ من العبادة والمعبودين قبل أن يتبرأ من العابدين؛ لأنه إذا تبرأ من أولئك فقد بلغ به الحَنَق والكراهة والبغضاء والكفر بتلك العبادة مبلغها الأعظم، وقد جاء تفصيل ذلك في آية الممتحنة كما هو معلوم.
إذن مناسبة هذه الآية للباب أن قوله (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) اشتملت على نفي وإثبات، فهي مساوية لكلمة التوحيد؛ بل هي دِلالة كلمة التوحيد، ففي هذه الآية تفسير شهادة أن لا إله إلا الله, ولهذا قال جل وعلا بعدها (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) ما هذه الكلمة؟ هي قول: لا إله إلا الله. كما عليه تفاسير السلف.
فإذن قوله عز وجل (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) هذا فيه النفي الذي نعلمه من قوله (لا إله) ، فتفسير شهادة أن لا إله إلاَّ الله في هذه الآية:
- (لا إله) معناها (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) .
- (إلاَّ الله) معناها (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) .
فإذن في آية الزخرف هذه أن إبراهيم عليه السلام شرح لهم معنى كلمة التوحيد بقوله (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) .
والبراءة هي: الكفر والبغضاء والمعاداة. تبرأ من عبادة غير الله إذا أبغضها وكفر بها وعاداها، وهذه لابد منها، لا يصح إسلام أحد حتى تقوم هذه البراءة في قلبه؛ لأنه إنّ لم تقم هذه البراءة في قلبه فلا يكون موحدا، البراءة هي أن يكون مبغضا لعبادة غير الله، كافرا بعبادة غير الله، معاديا لعبادة غير الله، كما قال هنا (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) .
أمَّا البراءة من العابدين فإنها من اللوازم وليست من أصل كلمة التوحيد؛ البراءة من العابدين، فقد يعادي وقد لا يعادي وهذه لها مقامات منها ما هو مُكفِّر ومنها ما هو نوع موالاة ولا يصل بصاحبه إلى الكفر.
إذن تحصَّل لك أن البراءة التي هي مُضَمَّنَةٌ في النفي (لا إله) بُغض لعبادة غير الله، وكفر بعبادة غير الله، وعداوة لعبادة غير الله، وهذا القدر لا يستقيم إسلام أحد حتى يكون في قلبه ذلك.
قال (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) وهذا استثناء كما هو الاستثناء في كلمة التوحيد (لا إله إلاَّ الله) .
قال بعض أهل العلم قال (إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ذكر الفَطْر دون غيره؛ لأن في ذلك التذكير بأنه إنما يستحق العبادة من فطر، أما من لم يفطِر ولم يخلق شيئا فإنه لا يستحق شيئا من العبادة.