فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 260

وفيها الجمع بين النفي والإثبات كما سيأتي في بيان آية الزخرف {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف:26 - 27] .

قال الإمام رحمه الله (وقول الله تعالى {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] ) هذه الآية تفسير للتوحيد، وذلك أننا عرّفنا التوحيد بأنه إفراد الله بالعبادة وهو توحيد الإلهية، وهذه الآية اشتملت على الثناء على خاصة عباد الله لأنهم وحدوا الله بالإلهية، وهذه مناسبة الآية للباب فقد وصفهم الله جل وعلا (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ) و (يَدْعُونَ) بمعنى يعبدون لأن الدعاء هو العبادة والدعاء نوعان كما سيأتي تفصيله:

· دعاء مسألة.

· ودعاء عبادة.

قال هنا (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ) يعني يعبدون، (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ) (الْوَسِيلَةَ) هي القصد والحاجة؛ يعني أن حاجاتهم يبتغونها إلى ربهم ذي الربوبية الذي يملك الإجابة، وفي قول الله جل وعلا في سورة المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:35] سئل ابن عباس رضي الله عنهما -وهي من مسائل نافع بن الأزرق المعروفة- سئل عن قوله (الْوَسِيلَةَ) في قوله (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) ما معنى الوسيلة؟ قال: الوسيلة الحاجة. فقالا: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، ألم تسمعا إلى قول الشاعر -وهو عنتر- يخاطب امرأة:

إنَّ الرجال لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحلي وتخضبي

(لهم إليك وسيلة) يعني لهم إليك حاجة.

ووجه الاستدلال من آية المائدة: أنه قال (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) قدم الجار والمجرور على لفظ (الْوَسِيلَةَ) ، وتقديم الجار والمجرور -وحقه التأخير- يفيد للحصر والقصر، وعند عدد من علماء المعاني يفيد الاختصاص.

وهذا أو ذاك فوجه الاستدلال ظاهر في أن قوله في آية الإسراء (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ) أن حاجاتهم إنما يبتغونها عند الله، فقد اختص الله عز وجل بذلك فلا يتوجهون إلى غيره، وقد حصروا وقصروا التوجه في الله جل وعلا.

وقد جاء بلفظ الربوبية دون لفظ الألوهية يعني قال (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ) ولم يقل يبتغون إلى الله الوسيلة؛ لأن إجابة الدعاء والإثابة هي من مفردات الربوبية؛ لأن ربوبية الله على خلقه تقتضي أن يجيب دعاءهم وأن يعطيهم سُؤلهم؛ لأن ذلك من أفراد الربوبية.

فإذن ظهر من قوله (يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ) أن فيها تفسير التوحيد وهو أن كل حاجة من الحاجات إنما تُنزلها بالله جل وعلا، (يَدْعُونَ) ؛ يعبدون وهم إنما يطلبون حاجاتهم من الله جل وعلا، فلا يعبدون بنوع من العبادات ويتوجهون به لغير الله، فإذا نحروا فإنما ينحرون يبتغون إلى ربهم الحاجة، وإذا صلوا فإنما يصلون يبتغون إلى ربهم الحاجة، وإذا استغاثوا فإنما يستغيثون بالله يبتغون إليه الحاجة دونما سواه, إلى آخر مفردات توحيد العبادة.

فهذه الآية دالة بظهور على أن قوله (يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ) أنه هو بالتوحيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت